RSS
 

لمسات و متشابهات و أسباب النزول لسورة الأعراف

لست أنا من أعد هذا المحتوي، أنا أنشره فقط، جزي الله كل خير لمن أعتده

المصادر:

التفسير السعدي

أسباب النزول للنيسابوري

لمسات بيانية لفاضل السمارائي

متشابهات للكسائي

كتاب نظم الدررلتناسب الايات و السور

الصفحة الأولي

الصفحة الثانية

الصفحة الثالثة

الصفحة الرابعة

الصفحة الخامسة

الصفحة السادسة

الصفحة السابعة

الصفحة الثامنة

الصفحة التاسعة

الصفحة العاشرة

الصفحة الحادية عشر

الصفحة الثانية عشر

الصفحة الثالثة عشر

الصفحة الرابعة عشر

الصفحة الخامسة عشر

الصفحة السادسة عشر

الصفحة السابعة عشر

الصفحة الثامنة عشر

الصفحة التاسعة عشر

الصفحة العشرون

الصفحة الحادية و العشرين

الصفحة الثانية و العشرين

الصفحة الثالثة و العشرين

الصفحة الرابعة و العشرين

الوجه (1) من الاعراف
من ايه( 1◀11)
ص151

معاني كلمات الوجه 1 من الاعراف
2حرجٌ منه:ضيقٌ من تبليغه خشية التكذيب
4وكم من قرية:كثيراً من القرى أهكلنا
4بأسنا:عذابنا
4بياتاً :بائتين أو ليلاً وهو نائمون
4هم قآئلون:مستريحون نصف النهار (القيلولة)
5دعواهم :دعاؤهم وتضرّعهم
8ثقلت موازينه :رجحت حسناته على سيئاته
9خفت موازينه :رجحت سيائته على حسناته
10مكنّاكم :جعلنا لكم مكاناً وقراراً
10معايش :ما تعيشون به وتحيون

تفسير مبسط للوجه الاول من الاعراف
الآية 2، والآية 3: ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾: أي إنّ هذا القرآن هو كتابٌ عظيم أنزله اللهُ عليك أيها الرسول ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾: يعني فلا يكن في صدرك ضِيقٌ منه بسبب إبلاغه للمشركين، ولا تخشَ بسببه لائماً أو مُعارِضاً، فإنما أنزلناه إليك ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾: أي لِتخوِّف به الكافرين عواقب شِركهم وضلالهم، ﴿ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾: أي ولِتُذكِّر به المؤمنين، وتقول لهم: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ من الكتاب والسُنَّة، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ ﴾: أي ولا تتبعوا من غير الله ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ كالشياطين والأحبار والرُهبان، ورؤساء الشرك والضلال، إنكم أيها الناس ﴿ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾: يعني قليلاً ما تتعظون، وترجعون إلى الحق.
الآية 4: ﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾: يعني وكثيرٍ مِن القرى أردنا إهلاك أهلها بسبب تكذيبهم ومخالفتهم لِرُسُلنا ﴿ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾: أي فجاءهم عذابنا مَرة وهم نائمون ليلاً، ومَرة وهم نائمون نهارًا (وقت القَيْلُولة) وهو الوقت الذي يستريح فيه الإنسان بعد صلاة الظهر (وذلك على الراجح من أقوال العلماء)،وقد خَصَّ الله هذين الوقتين لأنهما وقتان للسكون والراحة،فمَجيء العذاب فيهما أفظع وأشد.
الآية 5: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ﴾: يعني فما كان قولهم عند مجيء العذاب ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾: أي إلا أن اعترفوا بالذنوب والإساءة، واعترفوا أنهم كانوا مستحقين لهذا العذاب الذي نزل بهم، ولكنْ لم تنفعهم التوبة عند مُعايَنة الموت والعذاب، ولذلك ينبغي للعبد المؤمن أن يُجدد التوبة في كل وقت – استعداداً للموت – حتى تأتيه سَكرة الموت وهو تائب، إذِ النجاةُ كلها في لقاء الله تعالى بتوبةٍ نصوح.
الآية 6: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ – وهم الأمم والأقوام – فنقول لهم: (ماذا أجبتم رُسُلنا؟)، ﴿ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعمَّا أجابتهم به أممهم.
الآية 7: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ ﴾: يعني فلنُخبرنَّ الخَلق بكل ما عملوا، وذلك ﴿ بِعِلْمٍ ﴾ مِنَّا لأعمالهم في الدنيا (ظاهرها وباطنها)، لا يستطيعون إخفاء شيءٍ منها ﴿ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ عنهم حينما كانوا في الدنيا، فكل أعمالهم كانت مكشوفة ظاهرة لله تعالى، لم يَخْفَ عليه منها شيء، وهو السميع البصير.
• ورغم أنه سبحانه أعلمُ بما عملوا، ولا يحتاجُ إلى أن يسألهم عمَّا فعلوه، إلاَّ أنّ سؤالَهُ تعالى لهم كانَ مِن باب إقامة الحُجَّة عليهم، ولإظهار عَدالته فيهم، ولتوبيخ مَن يستحق التوبيخ منهم.
الآية 8، والآية 9: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾: يعني: وَوَزنُ أعمال الناس يوم القيامة يكون بميزان حقيقي بالعدل، ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ لكثرة حسناته: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الفائزون بالنجاةِ من النار ودخول الجنة، ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ لكثرة سيئاته: ﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: أي فأولئك هم الذين أضاعوا حظَّهم من رضوان الله تعالى وجَنَّتِه، وذلك ﴿ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾: أي بسبب تجاوزهم الحَدّ، وذلك بِجَحْدِهِم لآيات الله تعالى وعدم الانقيادلها.
الآية 10: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني ولقد جعلناكم أيها الناس متمكنين في الأرض، وذلك بأن جعلناها لكم مستقرة مُمَهَّدَة، لا تضطرب حتى لا يَفسد ما عليها، ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾: أي وجعلنا لكم فيها ما تعيشون به من مَطاعم ومَشارب، ومع ذلك فـ ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ نِعَمَ اللهِ عليكم، واعلم أن الشكر هو ذِكرُ النعمة باللسان، وذلك بقوْل كلمة: (الحمدُ لله)، وكذلك باستخدام النعمة في طاعة المُنعِم جل وعلا، وعدم استخدامها في معصيته، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي فحَقِّقوا الشُكر بتقواكم للهِ تعالى.
الآية 11: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾: يعني ولقد أنعمنا عليكم بخَلْق أصلكم – وهو أبوكم آدم من العدم -، ثم صوَّرناه على هيئته البشرية الكريمة، المُفضَّلة على كثيرٍ من الخَلق، ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ ﴾ إكرامًا واحترامًا وإظهارًا لِفَضلِه ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ جميعًا ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾ الذي كان يَعبدُ اللهَ معهم ﴿ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ لآدم، حسدًا له على هذا التكريم العظيم.

**هدف السورة: احسم موقفك ولا تكن سلبياً**
سورة الأعراف من أطول السور المكية وهي أول سورة عرضت بالتفصيل قصص الأنبياء من بداية خلق آدم u إلى نهاية الخلق مروراً بنوح، هود، صالح، لوط، شعيب، موسى عليهم وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام. والسورة تجسد الصراع الدائم بين الحق والباطل وكيف أن الباطل يؤدي إلى الفساد في الأرض، وفي قصص كل الأنبياء الذين ورد ذكرهم في السورة تظهر لنا الصراع بين الخير والشر وبيان كيد إبليس لآدم وذريته لذا وجه الله تعالى أربعة نداءات متتالية لأبناء آدم بـ (يابني آدم) ليحذرهم من عدوهم الذي وسوس لأبيهم آدم حتى أوقعه في المخالفة لأمر الله تعالى. كما تعرضت السورة الكريمة إلى أصناف البشر فهم على مرّ العصور ثلاثة أصناف: المؤمنون الطائعون، العصاة ، والسلبيون الذين هم مقتنعون لكنهم لا ينفذون إما بدافع الخجل أو الامبالاة وعدم الإكتراث. والسلبية هي من أهم المشاكل التي تواجه الفرد والمجتمع والأمة. وجاءت الآية لتحذرنا أنه علينا ان نحسم مواقفنا في هذه الحياة ونكون من المؤمنين الناجين يوم القيامة ولا نكون كأصحاب الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم وينتظرون أن يحكم الله فيهم.

وسميت السورة (الأعراف) لورود ذكر اسم الأعراف فيها وهو سور مضروب بين الجنة والنار يحول بين أهلهما وروى جرير عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن دخول الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن دخول النار فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله تعالى فيهم.

موضوعات السوره
قد بدأت السورة بمعجزة القرآن الكريم على الرسول r وأن هذا القرآن نعمة من الله تعالى على الإنسانية جمعاء فعليهم أن يتمسكوا بتوجيهاته وارشاداته ليفوزوا بسعادة الدارين ويكونوا من الناجين يوم القيامة ومن أهل الجنة. (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى…)

النموذج الأول من صراع الحق والباطل: قصة آدم u مع ابليس ويبين لنا تعالى في هذه القصة كما في باقي السورة كيف أن الحق ينتصر في النهاية على الباطل. وقد جاءت كلمة(فدلاهما بغرور)في وصف إغواء الشيطان لآدم لتبين لنا معنا كيف أن الذين لايحسمون أمورهم ومواقفهم كأنهم معلقين في البئر لا هم هالكون ولا هم ناجون مما يؤكد على أن علينا أن نحدد موقفنا من الصراع بين الحق والباطل. فسبحانه تعالى ما أبلغ هذا القرآن وما أحكم وصفه وألفاظه.

عرض يوم القيامة وقصة أصحاب الأعراف: (الآيات 44 -51)

عرض نماذج من صراع الحق والباطل عبر قصص الأنبياء على مر العصور: عرضت الآيات قصة كل نبي مع قومه والصراع بين الخير والشر وكيف أن الله تعالى ينجي نبيه ومن اتبعه على عدوهم. قصة نوح مع قومه وهود وصالح ولوط وشعيب

مقارنة بين الحسم والتردد في قصة موسى وفرعون والسحرة: الآيات توضح كيف حسم السحرة موقفهم من نبي الله موسى بعدما رأوا الحق وأخذوا موقفاً واضحاً من فرعون وأتباعه وآمنوا بالله تعالى وبما جاء به موسى

قصة اهل السبت

فئات بني اسرائيل

وتأتي ختام السورة لتركز على البعد عن الغفلة وحسم الامر (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) آية 205
والسجدة في الآية الأخيرة كأنما جاءت لتزيد في النفس الاستعداد للحسم فربما بهذه السجدة يصحى الغافل من غفلته ويحسم السلبي موقفه إذا عرف بين يدي من يسجد فيعود الى الحق (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) آية 206.

***من اللمسات البيانية فى سورة الأعراف***
آية (2):
*ورتل القرآن ترتيلا ً:
(كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ (2)) الحرج في حقيقته المكان الضيق من الغابات الكثيرة الأشجار بحيث يعثر السلوك فيه فأغمض عينيك أيها المتدبر لكتاب الله واعمل خيالك في هذه الصورة القرآنية لحال الآسف الحزين الذي امتلأ صدره حزناً فإنه يعسر منه التنفس من انقباض أعصاب مجاري التنفس فتخيل هذا الضيق النفسي بضيق مكان مليء أشجاراً كيف تستطيع تجاوزها. فها هي صورة القرآن التي ترسم بألفاظها المحكمة ما تعجز ريشة الفنان عن الإتيان به.

لمسات بيانيه
ما الفرق بين تذّكّرون وتذكّرون وتتذكرون؟(د.حسام النعيمى)
الاختلاف في المعنى أنه لما تأتي تَتَذَكَّرُونَ تكون مساحة التأمل أوسع وهذا مثال في قوله تعالى (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾ الأنعام) قبلها كان الكلام عن النظر في آيات الله في الكون وهذا ربي ثم هذا ربي ثم هذا ربي أمور تحتاج إلى طول زمن.
ولكن عندما نأتي إلى تذكّرون أو تذّكّرون- بالتشديد على الذال- نجد أن المسألة منحصرة إما في أوامر من الله عز وجل يأمرهم بتنفيذها مثل (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿3﴾ الأعراف) الأمر يأتي أو تقرير فالمسألة منحصرة مجتزأة لا تحتاج إلى طول الوقت الذي احتاجته التأملات التي في خلق السموات والأرض وهذا ربي وهذا ربي إلى آخره في قصة إبراهيم ِU.
وأما التشديد على الذال فهو للتأكيد وقلنا كل ما قرأه حفص تذكّرون قرأه نافع وورش تذّكّرون بالتشديد على الذال وأجمعوا على قراءة يذّكّرون- بالتشديد على الذال- حيث ما وردت بالتشديد ففيها معنى التأكيد لما تأتي.

لمسات بيانيه
آية (4):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)) انظر كيف رسم القرآن مشاهده بأبدع رسم فهنا يعرض القرآن حقيقة الهلاك للقرية دون أن يأتي على ذكر أهلها لقصد الإحاطة والشمول. فتخيل مشهد القرية وهي تتدمر بأكلمها، ستجد نفسك أمام هذه الصورة الفظيعة وتتساءل بدهشة إذا كان هذا ما حل بالقرية وهي ثابتة مستقرة فكيف بأهلها؟ وستزداد دهشة إذا علمت أن ساعة الهلاك هي ساعة نومهم قال تعالى (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ).

لمسات بيانيه
كيف يأتي البأس بعد الإهلاك في قوله تعالى (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) في سورة الأعراف ؟(د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في سورة الأعراف (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ {4}) الفاء تأتي للترتيب الذِكري ولا تنحصر بالترتيب والتعقيب. وهي تعني التفصيل بعد الإجمال . أولاً يأتي بالموت بشكل إجمالي ثم يفصّل الإهلاك. ومثال آخر ما جاء في قوله تعالى (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) سألوا موسى مجملة وأرنا الله جهرة مفصّلة. وكذلك ما جاء في قوله تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ {45} هود) تفصيل بعد الإجمال. دخل محمد ثم خالد هذا للترتيب والتراخي ، توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه رجليه، هو غسل أولاً حتى يصير وضوءاً.

لمسات بيانيه
آية (11):
*لماذا استخدمت كلمة ابليس مع آدم ولم تستخدم كلمة الشيطان؟(د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34}) وفي سورة الأعراف(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ {11}) ابليس هو أبو الشياطين كما إن آدم أبو البشر وبداية الصراع كان بين أبو البشر وأبو الشياطين. والشيطان يُطلق على كل من كان كافراً من الجن أي على الفرد الكافر من الجنّ.
—————————————————————

الوجه (2) من الاعراف
من ايه( 12◀22)
ص152
تفسير مبسط للوجه 2
الآية 12: ﴿ قَالَ ﴾ تعالى مُنكِرًا على إبليس تَرْكَ السجود: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾؟ ﴿ قَالَ ﴾ إبليس: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ فقد ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾، فرأى أن النار أشرف من الطين، وفَضَّلَ ما يراه عقله على الانقياد لأمر ربه.
الآية 13: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ لإبليس: ﴿ فَاهْبِطْ مِنْهَا ﴾ أي مِن الجنة، ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾: يعني فمَا يَصِحّ لك أن تعيش فيها وأنت من المتكبرين، ﴿ فَاخْرُجْ ﴾ من الجنة ﴿ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾: أي من الذليلين الحقيرين.
الآية 14: ﴿ قَالَ ﴾ إبليس للهِ – جل وعلا – حينما يئس من رحمته: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾: أي أمْهِلني إلى يوم البعث، وذلك لأتمكن من إضلال مَن أقدر عليه من بني آدم.
الآية 15: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى له: ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾: يعني إنك مِمَّن كتبتُ عليهم تأخير الأجل إلى النفخة الأولى (التي ينفخها إسرافيل في القرن)، وذلك حين يموت الخلق كلهم.
الآية 16: ﴿ قَالَ ﴾ إبليس لعنه الله: ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾: يعني فبسبب إضلالك لي: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾: يعني لأجتهدنَّ في إضلال بني آدم عن طريقك القويم، ولأصدَّنَّهم عن الإسلام الذي فطرْتَهم عليه.
الآية 17: ﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾: يعني ثم لآتينَّهم من جميع الجهات والجوانب، فأصُدّهم عن الحق، وأُُحَسِّن لهم الباطل، وأُرَغِّبهم في الدنيا، وأُشَكِّكهم في الآخرة، ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ لِنِعَمِك.
الآية 18: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى لإبليس: ﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ﴾: أي اخرج من الجنة مَمقوتًا (يعني مَكْروهًا مَبْغوضاً) ﴿ مَدْحُورًا ﴾: أي مطرودًا، ﴿ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ ﴾: أي لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك من بني آدم ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾.
الآية 19: ﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ ﴿ فَكُلَا مِنْ ﴾ ثمارها ﴿ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ (وعَيَّنها لهما)، ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾: يعني فإن فعلتما ذلك، كنتما من الظالمين المتجاوزين حدودَ اللهِ تعالى.
الآية 20: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾: يعني فألقى الشيطان لآدم وحواء وسوسته، لإيقاعهما في معصية الله تعالى بالأكل من تلك الشجرة التي نهاهما الله عنها، وذلك ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا ﴾: أي لتكون عاقبتهما: انكشاف ما سُتِرَ من عوراتهما، ﴿ وَقَالَ ﴾ لهما في محاولة المَكر بهما: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ أي مِن الملائكة ﴿ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾ في الحياة.
• وهنا قد يقول قائل: كيف استطاع إبليس أن يوسوس لهما وهما داخل الجنة، عِلماً بأنه مطرود من الجنة؟
والجواب – والله أعلم – أنه (ربما يكون المقصود مِن طَرْدِهِ من الجنة: عدم الاستقرار فيها)، (وربما يكون قد وسوس لهما من خارج الجنة، فوصلتْ وسوسته لهما وهما داخل الجنة)، ولا نستبعد ذلك أبداً، فقد رأينا في عصرنا هذا أنّ الشخص يستطيع التحدث مع شخصٍ آخر وهو على بُعدٍ سحيقٍ منه، وذلك باستخدام العديد من وسائل الاتصال الحديثة، وأيَّاً كانت الوسيلة، المُهِمّ أن هذه الوسوسة قد وصلتْ إليهما بقدر الله تعالى.
الآية 21: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا ﴾: أي وأقسم الشيطان لآدم وحواء باللهِ ﴿ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ في مَشورتي عليكما بالأكل من الشجرة، وهو كاذبٌ في ذلك.
الآية 22: ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾: أي فجرَّأهما بخداعٍ منه، فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الاقتراب منها، ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا ﴾: أي انكشفت لهما عوراتهما، وزال ما سَترهما اللهُ به قبل المخالفة، ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾: أي وأخذا يَلزقان بعض ورق الجنة على عوراتهما، ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، وفيهذا دليل على أنّ كَشْف العورة من عظائم الأمور، وأنه كان – ولم يَزَل – مُستنكَراً في الطباع، مُستقبَحًا في العقول.

معاني الوجه 2
12ما منعك:ما اضطرك. أو ما دعاك وحملك
13الصاغرين:الأذلاء المهانين
14أنظرني:أخرني وأمهلني في الحياة
15المنظرين :الممهلين إلى وقت النفخة الأولى
16فبما أغويتني :فبما أضللتني
16لأقعدن لهم :لأترصدنّهم ولأجلسنّ لهم
18مذءوماً :مذموماً أومعيبا أو محقراً لعيناً
18مدحوراً :مطروداً مبعداً
20فوسوس لهما :ألقى إليهما الوسوسة
20ما ووري عنهما:ما سُتر واُخفي وغُطّي عنهما
22سوءاتهما :عوراتهما
21وقاسمهما:أقسم وحلف لهما
22فدلاهما بغرور :فأنزلهما عن رتبة الطاعة بخداع
22طفقا يخصفان :شرعا وأخذا يلزقان

هل كان إبليس مأموراً بالسجود لآدم؟(د.فاضل السامرائى)
نعم أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم أمراً عامّاً (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34} البقرة) وأمر إبليس بالسجود أمراً خاصاً (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ {12} الأعراف).

لمسات بيانيه
(12):
*لماذا جاء ذكر ابليس مع الملائكة عندما امرهم الله تعالى بالسجود لآدم مع العلم أن ابليس ليس من جنس الملائكة؟(د.فاضل السامرائى)
الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم في آية سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34}) وأمر ابليس على وجه الخصوص في آية سورة الأعراف (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ {12}) فليس بالضرورة أن الله تعالى أمر ابليس بالسجود مع الملائكة لكنه تعالى أمر الملائكة بالسجود كما في آية سورة البقرة وأمر ابليس وحده بالسجود لآدم امراً خاصاً به في آية سورة الأعراف.

ورتل القرآن ترتيلا ً:
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ (12)) لعل سائلاًً يقول إذا كان المنع يعني الكف والصد فلم جاءت الآية بحرف النفي (لا) في قوله(ألا تسجد) فيكون مقتضى الظاهر أن يقول ما منعك أن تسجد؟ إن (لا) هنا لا تفيد نفياً وإنما جيء بها للتأكيد و (لا) من جملة الحروف التي يؤكد بها الكلام تماماً كما في قوله تعالى (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) البلد) أي أقسم بهذا البلد قسماً محققاً.

لمسات بيانيه
آية (17):
*ورتل القرآن ترتيلا ً :
(ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ (17)) انظر كيف يحرص إبليس على إغواء بني آدم فالآية ضرب من المجاز التمثيلي وليست الجهات الأربع المذكورة بحقيقة إذا علمت أنه ليس للشيطان مسلك للإنسان إلا من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة. فكما شبّه هيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق كذلك مُثّلت هيئة التوسل إلى الإغواء بكل وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدو إذ يأتيه من كل جهة حتى يصادف الجهة التي يتمكن فيها من أخذه أعاذنا الله من شرّه وغوايته.
* لماذا استعمال النفي في آية سورة الأعراف (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17))؟(د.حسام النعيمى)
هذه الآية على لسان إبليس. لما قال (ثم لآتينهم) هذه الآية فيها تحذير كبير من مخاطر هذا المخلوق الذي أخذ على نفسه عهداً أن يضل ذرية آدم (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِم) لا يترك مكاناً، من أي مكان وبأية وسيلة من الوسوسة. (ولا تجد أكثرهم شاكرين) نقول الشكر لله. هو بيّن كلامه على ظنّه أنه نتيجة هذه التصرفات أكثر بني آدم لا يشكرون الله سبحانه وتعالى. الذي يتناسب مع ظنّه أن يستعمل لا النافية لأن (لن) فيها معنى تأكيد ومعنى التأبيد على رأي الزمخشرية (قال لن تراني) يعني للأبد وفيها دفع للمستقبل فإبليس لا يستطيع أن يقول (ولن تجد أكثرهم شاكرين) لا يصلح أن يستعمل (لن) لأنه لا يملك ذلك، هو يستطيع أن ينفي (لا تجد أكثرهم شاكرين) أما (لن) فهي كلمة متأكّد متثبت يجزم بوقوع الحادثة وهو لا يستطيع أن يقول هذا الكلام وإنما يقول (ولا تجد أكثرهم شاكرين). ولذلك المستحسن أن يقول من يقرأ هذه الآية ليفقأ عين الشيطان أن يقول: الشكر لله ، الحمد لله .
* خاطب تعالى آدم لوحده ومرة خاطب آدم وحواء والخطاب كان مرة واحدة بصيغ متعددة فكيف نفهم الصيغ المتعددة في الخطاب؟(د.فاضل السامرائى)
من الذي قال أن الخطاب مرة واحدة؟. ربنا قال في القرآن (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) البقرة) (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) طه) هذا الخطاب غير ذاك الخطاب. (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا (123) طه) (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً (38) البقرة) من أدراه أن الخطاب كان واحداً؟ لما قال (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا (19) الأعراف) غير (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ (22) الأعراف) هذا وقت متغير.
* ذكر تعالى في سورة الأعراف (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ (22) الأعراف) وورد (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) البقرة) فما دلالة استخدام تلكما وليس تلك؟(د.فاضل السامرائى)
هذه لأنها هي قريبة وبعد المعصية لما عاتبهما قال تلكما وهي تعني واحدة ولكن المخاطب اثنان وليستا شجرتين وللجمع تلكم الشجرة. المخاطب آدم وحواء فقال تلكما.
هذه الكاف تسمى حرف خطاب فيه لغتان: الأولى تكون في المفرد المذكر أياً كان المخاطَب تقول تلك الشجرة سواء كان المخاطب واحد أو اثنين أو جمع، واللغة الثانية أن تجعل حرف الخطاب بحسب المخاطَب لو كانت امرأة نقول تلكِ الشجرة مثلما قال (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ (21) مريم) ويمكن أن نقول كذلكَ. (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ (32) القصص) برهانين اثنان (ذان) للبرهانين و(ك) للمخاطب، (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (37) يوسف) كان يمكن أن يقول ذلك لكنه يقصد الذي قاله، (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (32) يوسف) (ذلك) إشارة ليوسف و(كُنّ) حرف خطاب للنسوة. إذن هذه الكاف هو حرف خطاب يمكن أن نجعله في حالة المذكر المفرد دائماً ويمكن أن يكون في حالة المخاطَبين

آية (14):
*(قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15)) هل نال إبليس تكرمة في استجابة طلبه بأن يكون من الكائنات الباقية؟(ورتل القرآن ترتيلا ً)
هذا ما تشير إليه الآية لكن في الحقيقة خاب فهو أهون على الله من أن يجيب له طلبه وقد نفى هذا التصوير للسامع قوله (قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ) فانظر كيف أفاد التأكيد بـ (إنك) والإخبار بصيغة (من المنظرين) أن إنظاره أمر قد قضاه الله وقدّره من قبل سؤاله وهذه هي النكتة في العدول عن أن يكون الجواب أنظرتك أو أجبت لك مما يدل على كرامته بعد الإجابة ولكنه أعلمه أن ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل.

سؤال: يقولون أن الشيطان حاول أن يوسوس لآدم فلم يقدر عليه ثم تحول لحواء فقدر عليها فهل هذا صحيح؟
هو أصلاً لم يذكر حواء في الوسوسة إما قال (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ (120) طه) أو (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ (20) الأعراف) ما أفرد حواء. ربنا يخبرنا (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) طه) ثم قال (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا (20) الأعراف) ما هنالك آية أفرد فيها حواء. إما أن يقول آدم أو يجمعهما معاً. حتى في قوله (فتشقى) هو الذي يكدح ولم يقل فتشقيا.

لمسات بيانيه
آية (16):
*(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) الأعراف) لماذا ردّ إبليس اللوم إلى الله سبحانه وتعالى بأنه أغواه؟(د.فاضل السامرائى)
سبب الإغواء هو الابتلاء، نرجع للسبب، هو اختبره فجاء فقال (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) هو جاء بالنتيجة بينما هو ابتلاه فاختبره فكانت سبباً في إضلاله وهو حذف السبب وجاء بالنتيجة فقال (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) لو لم يختبره لجاز لكن هذا تنطع في الكلام. أعوان إبليس يقولون هذا الكلام أيضاً، الله تعالى اختبره فلم يسجد ورسب في الاختبار والنتيجة هو هذا الذي حصل.
———————————————————

الوجه (3) من الاعراف
من ايه( 23◀30)
ص153
تفسير مبسط للوجه 3 من الاعراف
⚡الآية 23: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ﴾ بالأكل من الشجرة، ﴿ وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ الذين أضاعوا حظَّهم من نعيم الجنة، (وهذه الكلمات هي التي تَلَقَّاها آدمُ مِن ربه، فدعا بها فتابَ اللهُ عليه).
⚡الآية 24 الآية 25: ﴿ قَالَ ﴾ تعالى مُخاطبًا آدم وحواء وإبليس: ﴿ اهْبِطُوا ﴾ من السماء إلى الأرض، وسيكون ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ يعني: (آدم وحواء) يُعادون الشيطان، والشيطان يُعادِيهِما، ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أي مكانٌ تستقرون فيه، ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾: يعني وانتفاعٌ بما في الأرض إلى وقت انقضاء آجالكم، ثم ﴿ قَالَ ﴾ تعالى لآدم وحوَّاء وذريتهما: ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾: أي في الأرض تقضون أيام حياتكم الدنيا، ﴿ وَفِيهَا تَمُوتُونَ ﴾ ﴿ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾: يعني ومنها يُخْرجكم ربكم، ويَحشركم أحياء يوم البعث.
⚡الآية 26: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ ﴾: يعني قد جعلنا لكم لباسًا يستر عوراتكم، وهو لباس الضرورة، ﴿ وَرِيشًا ﴾: أي وجعلنا لكم لباسًا للزينة والتجمل، وهو من الكمال والتنعُّم، ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾: يعني ولباسُ تقوى الله تعالى – بفعل الأوامر واجتناب النواهي – هو خيرُ لباسٍ للمؤمن في حِفظ العورات والأجسام والعقول والأخلاق، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي مَنَّ الله به عليكم هو ﴿ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ ﴾الدالة على قدرته تعالى وفضله ورحمته بعبادهِ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ هذه النعم فيشكروا اللهَ عليها بالإيمان والطاعة، لأنّ هذه النعم تستوجب توحيدَ اللهِ تعالى وطاعته.
• واعلم أنّ قوله تعالى: ﴿ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا ﴾ يُفهَم منه أنّ إنزال اللّباس كان من السماء، وذلك يعود إلى أمور، منها: أن آدم عليه السلام هو أوّل مَن سَتر عورته بورق التين من شجر الجنة، ومنها أنّ آدم نزل من السماء مَكْسُوّاً وورث عنه أولاده ذلك، ومنها أن الماء الذي يَخرج بسببه النبات (الذي يُصنَع منه اللباس كالقطن والكِتَّان) قد نزل من السماء، (وحتى الأنعام ذوات الصوف والوَبَر (كالغنم والإبل) حياتها متوقفة على ماء السماء).
⚡الآية 27: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾: أي لا يَخدعنَّكم الشيطان، فيُزَيِّن لكم المعصية، ويدعوكم إليها، ويُرَغِّبكم فيها ﴿ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾: أي كما زيَّنها لأبويكم آدم وحواء، فأخرجهما بسببها من الجنة، ﴿ يَنْزِعُ ﴾: يعني وقد تسَبَّبَ في أن نُزِعَ ﴿ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ الذي كان اللهُ تعالى قد سترهما به (ما داما حافظَيْن لأنفسهما مِن فِعل ما نُهِيَا عنه)، وقد فعل الشيطان ذلك ﴿ لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا ﴾: أي لتنكشف لهما عوراتهما.
• واعلمْ أن الله تعالى قد ذكرَ الفِعل: ﴿ يَنْزِعُ ﴾ بصيغة المضارع، بعد أن كانَ سِياق الآية بصيغة الماضي، وذلك في قوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾، لِيُوَضِّحَ أنّ الشيطان قد بذل جهده في وسوسته لهما وتزيينه للمعصية، وأنه استمر في المكر والخَديعة حتى أوقعهما في الخطيئة، (فالفِعل المضارع يدل على الاستمرارية)، وفي هذه الآية دليل على حِرص الشيطان على أن يكشف الآدَمِيُّ عورته، لِمَا يَتبع ذلك من الفِسق والفجور.
• ثم قال تعالى (مُنَبِّهاً لهم على خطورة العدو): ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾: يعني إن الشيطان يُراقبكم على الدَوام، ويراكم هو وذريته وجنوده من الجن، وأنتم لا ترونهم فاحذروهم بالاستعاذة الفورية مِن وسوستهم، ولا تغفُلوا عن المواضع التي يدخلون منها إليكم، ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي نُصَراء وأحِبَّاء ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾، فالشياطين يُمَثلون قمة الشر والخُبث، والذين لا يؤمنون قلوبهم مظلمة (لانعدام نور الإيمان فيها)، فهي متهيئة لقبول ما توسوس به الشياطين من أنواع المفاسد والشرور والشِرك والمعاصي، فلذلك كانوا أولياءَ لهم.
⚡الآية 28: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾: يعني وإذا أتى الكفارُ فِعلاً قبيحًا من الأفعال – كالطواف بالبيت عُراة – اعتذروا عن ذلك، فـ ﴿ قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا ﴾: أي ورثنا تلك الأمور عن آبائنا ﴿ وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ ﴾ عباده ﴿ بِالْفَحْشَاءِ ﴾ ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ كَذِبًا وافتراءً؟
⚡الآية 29، والآية 30: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ﴾ أي أمر بالعدل (وقمة العدل: توحيدُ اللهِ تعالى، لأنه وحده الذي يستحق العبادة)، وأما الشِرك وفِعل الفواحش، والكذب على الله تعالى بأنه قد أحَلّ كذا (وهو لم يُحِلُّه)، وبأنه قد حَرَّمَ كذا (وهو لم يُحَرِّمْهُ)، فهذا هو قمة الظلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، ولذلك قال ابن عباس: (القسط: لا إله إلاّ الله) أي بأن يُعبَدَ اللهُ وحده، ﴿وَأَقِيمُوا ﴾: أي وأمركم أن تقيموا ﴿ وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾: والمعنى أنه تعالى أمركم أن تُخلِصوا له العبادة في كل مَوضع من مواضعها، وخاصَّةً في المساجد، (وقد خَصَّ الوجه بالعبادة لأنه إذا خضع وَجْهُ العبد لله: خضعتْ له جميع جوارحِه، فلا يُشركُ بعبادته أحدًا)، ﴿ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾: أي وأمركم أن تدعوه وحده ولا تدعوا معه أحداً، وأن تؤمنوا بالبعث بعد الموت، لأنه سبحانه ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: أي إنه كما أوجدكم من العدم،فإنه قادرٌ على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى.
• ثم يُخبر تعالى أنه جعل عباده فريقين: ﴿ فَرِيقًا هَدَى ﴾: أي فريقًا وفَّقهم للهداية إلى الصراط المستقيم، ويَسَّرَ لهم أسبابها، وصرف عنهم ما يُشغِلُهم عنها، وذلك بسبب اتّباعِهم لأسباب الهدى، ﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ﴾: يعني وَجَبَتْ عليهم الضلالة عن الطريق المستقيم، ثم وَضَّحَ السبب في استحقاقهم لهذه الضلالة فقال: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ فأطاعوهم وأحَبُّوهم من دون الله تعالى، فحِينَ تركوا ولاية الرحمن، وأحَبُّوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخُذلان، وَوُكِلوا إلى أنفسهم فخَسروا أشد الخُسران، ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾: أي وقد أطاعوا الشياطين ظنًا منهم بأنهم قد سلكوا سبيل الهداية، فانقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطلَ حقاً والحقَّ باطلاً، ولذلك أضَلَّهم اللهُ بِعَدْلِه، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾.

معاني كلمات الوجه3
26أنزلنا عليكم:أعطيناكم ووهبنا لكم
26يواري سوءاتكم:يستر ويداري عوراتكم
26ريشا:لباس زينة . أو مالاً
26لباس التقوى:الإيمان وثمراته
27لا يفتننكم:لا يضلنكم ولا يخدعنكم
27ينزع عنهما:يزيل عنهما، استلاباً بخداعه
27قبيله:جنوده . أو ذريته
28فعلوا فاحشة:أتوا فعلةً متناهية في القبح
29بالقسط:بالعدل وهو جميع الطاعات والقُرَب
29اقيموا وجوهكم:توجهوا إلى عبادته مستقيمين
29عند كل مسجد:في كل وقت سجود أو مكانه

لمسات بيانيه
ماذا يقصد بالسوءة؟ وما وجه الشبه بين هذه السوءة وظن السوء في سورة الفتح (12))؟(د.فاضل السامرائى)
السوءة هي العورة.
قال تعالى:(بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) الفتح) السَوْء يعني السيء، السوْء مصدر ساءه سوءاً والسُوء هو الإسم (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (22) طه) من غير سُوء أي من غير مرض أو علة أما السوْء فهو المصدر وهناك فرق بين المصدر والإسم مثلاً نقول الذبح والذِبح، الحمل والحِمل، الوضوء والوَضوء. الحَمْل مصدر والحِمل ما يُحمل (خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) طه) يحمل على الظهر، (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ (31) الأنعام) أما الحَمل هو المصدر أو ما لا يرى بالعين (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا (189) الأعراف)، الذَبح هي عملية الذَبح أما الذِبح فهو ما يُذبح كبش أو غيره (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) الصافات)، الوُضوء عملية التوضؤ والوَضوء هو الماء الذي يُتوضأ به

تدبر في الايات
(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[سورة اﻷعراف : 23]
ماهي الفائدة العملية التي نخرج بها من اﻵية

من أشبه آدم بالاعتراف، وسؤال المغفرة، والندم، والإقلاع؛ إذا صدرت منه الذنوب، اجتباه الله وهداه.
ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، ولا يزال يزداد من المعاصي، فإنه لا يزداد من الله إلا بعداً.تفسير السعدي

تدبر في الايات
قال تعالى 🙁 وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) [اﻷعراف : 24]
مالحكمة من مجيئ مستقر بالنكرة ، ومعرفه في سورة القيامة
↩ مستقر نكرة لعدم دوامه وحقارته ،،،وأما في الآخرة فعرفه وقال : (إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) [سورة القيامة : 12]
↩ لعظيم شأنه ودوامه.د.صالح الشمرانى

لمسات بيانيه
ورتل القرآن ترتيلاً :
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ (26)) تأمل هذا التصوير الرائع لمعنى التقوى(وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) إنه تشبيه لملازمة تقوى الله بملازمة اللابس لثيابه وحسبك قليل من التحول لتشهد كيف تتحول تقوى الله وخشيته إلى لباس يستر عورات النفس ويزين صاحبها بكمالات الأخلاق الرفيعة كما أن بعض الجسد يستر عوراته. ولا شك أن عورات النفس أشد فظاظة ولذلك لا بد من ستر يمحو أثرها فكانت التقوى خير لباس لها.

لمسات بيانيه
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (29)) الآية مبنية على تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله في موضاع عبادته، كيف ذلك؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
تخيل حال المتهيء لمشاهدة أمر عظيم حين يوجه وجهه إلى صوبه لا يلتفت يمنة ولا يسرة فذلك التوجه المحض يطلق عليه إقامة لأنه جعل الوجه قائماً لا متغاض ولا متوان في التوجّه. فتكون بذلك إقامة الوجوه تمثيلاً لكمال الإقبال على الله كأنه يراه أمامه.

آية (30):
* ما دلالة ظاهرة تذكير الفاعل المؤنث في القرآن الكريم كما جاء في كلمة الضلالة؟(د.فاضل السامرائى)
تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم. فإذا قصدنا باللفظ االمؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى. وقد جاء في قوله تعالى عن الضلالة(فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) الأعراف) وقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) النحل). ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى العذاب لأن الكلام في الآخرة (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) الأعراف) وليس في الآخرة ضلالة بمعناها لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة. وعندما تكون الضلالة بالتأنيث يكون الكلام في الدنيا فلمّا كانت الضلالة بمعناها هي يؤنّث الفعل.

لمسات بيانيه
آية (27):
* ما دلالة (حيث) في قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ (27) الأعراف)؟ هل تفيد الزمان أو المكان؟(د.فاضل السامرائى)
(حيث) الأصل فيها أنها للمكان، قسم يقول قد تخرج إلى الزمان، لكن هي عند جمهور النُحاة هي للمكان. وهنا هي للمكان لأن السياق هو في تحذير بني آدم من الشيطان (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27) الأعراف) من باب التحذير وهنا التحذير من عدو لا يُرى يكون أخوف أن يأتيك من مكان لا تراه يكون أخوف وأشدّ. وجاء بـ (إنّ) وبالهاء التي هي احتمال ضمير الشأن، إذن هذا أنسب شيء أن يقول (مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ) أي يأتيكم من مكان وأنتم لا تبصرونه وهو عدو لكم فكيف يكون إذا جاءك عدوك من مكان لا تراه؟! لذا هي قطعاً للمكان وهي أنسب مكان للتحذير. (حيث) قسم قال قد تأتي للزمان قليلاً.

قوله تعالى : ‘تفسير الآيةيا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .
452 – أخبرنا سعيد بن محمد العدل قال : أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال : أخبرنا الحسن بن سفيان قال : حدثنا الحسن بن حماد الوراق قال : أخبرنا أبو يحيى الحماني ، عن نصر بن الحسن [ الحداد ] ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :كان ناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى أن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة ، فتعلق على سفلتها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجوه الحمر من الذباب ، وهي تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
———————————————-

الوجه (4) من الاعراف
من ايه( 31◀37)
ص154

معاني كلمات الوجه 4
31خذوا زينتكم:البسوا ثيابكم لستر عوراتكم
33الفواحش :كبائر المعاصي لمزيد قبحها
33الإثم:ما يوجبه من سائر المعاصي
33البغي :الظلم والإستطالة على الناس
33سُلطاناً:حجةً وبرهاناً

تفسير مبسط للوجه 4 من الاعراف
الآية 31، والآية 32: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ المشروعة – مِن لِبس ثيابٍ ساترة للعورة، ونظافةٍ وطهارةٍ ونحو ذلك -، وذلك ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾: يعني عند أداء كل صلاة، فلا تُصَلّوا وأنتم مَكشوفوا العورات، ولا تطوفوا بالبيت عُراة كما فعل المشركون، ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ من طيبات ما رزقكم الله، ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾: أي ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال، ﴿ إِنَّهُ ﴾ تعالى ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ في الطعام والشراب وغير ذلك.
واعلم أن هذه الآية الكريمة هي أصلٌ من أصول الدواء، إذ حَرَّمَتْ الإسراف في الأكل والشرب، لأن ذلك سبب كافة الأمراض، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ آدَمِيٌّ وعاءً شراً مِن بطنه، بِحَسْب – يعني يكفي – ابن آدم أكَلات يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا مَحالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثُلثٌ لنَفَسِه) (انظر السلسلة الصحيحة ج: 5/ 336).
وَلَمَّا حَرَّمَ المشركون الطوافَ بالثياب – وطافوا بالبيت عُراة – بِدَعوَى أنهم لا يطوفون بثيابٍ عَصَوا اللهَ تعالى فيها، أنكَرَ اللهُ ذلك عليهم بقوله: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء الجَهَلة من المشركين: ﴿ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾: يعني مَن الذي حَرَّمَ عليكم الثياب التي جعلها اللهُ زينةً لكم؟ (واعلم أنّ معنى: ﴿ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾ : أنه أخرج النبات – الذي يُصنَع منه الثياب – من الأرض، كالقطن والكِتَّان).
﴿ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾: يعني ومَن الذي حَرَّمَ عليكم التمتع بالحلال الطيب مِن رزق الله تعالى؟ (والمقصود بذلك: اللحوم التي حَرَّمَها المشركون افتراءً على الله تعالى، وهي المذكورة في سورة الأنعام)، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: إن الطيبات – من المَطاعم والمَشارب والملابس – التي أحَلَّها اللهُ تعالى ﴿ هِيَ ﴾ حقٌ ﴿ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يُشاركهم فيها غيرُهُم، ﴿ خَالِصَةً ﴾ لهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ دونَ أن يُشاركهم فيها أحد، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني مِثل ذلك التفصيل السابق: ﴿ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ما يُبَيِّنُ لهم لِيعملوا به، فبذلك أخبر تعالى عن نعمةٍ عظيمة، وهي تفصيلِهِ للآيات وإظهارها، لينتفع بها العلماء الذين يُمَيِّزونَ – بنور العلم – بين الحق والباطل، ولِيُعَلموها للناس.
وفي الآية دليل على أنه يُشرَع التَجَمُّل بأحسن الثياب، وخاصةً في الأعياد والجُمَع وزيارة الناس ومقابلة الوفود، وليس مِن السُنّة لِبس المُرَقَّعات، وليس معنى: (لباس التقوى) أنها الثياب الخشنة والمُرَقَّعة، وإنما المقصود بذلك: تقوى الله تعالى بامتثال الأمر واجتناب النهي، وفي الحديث الصحيح: (إن الله جميلٌ يحب الجَمال).
الآية 33: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ﴾: يعني إنما حَرَّم اللهُ القبائح من الأعمال ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾: أي ما كان منها ظاهرًا أمام الناس، وما كان خَفيًّا في السر، ﴿ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾: يعني وحَرَّم تعالى المعاصي كلها، ومِن أعظمها الاعتداء على الناس بغير حق (يعني بغير المعاقبة بالمِثل)، فقد قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴿ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾، ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾: يعني وحَرَّمَ تعالى أن تعبدوا معه غيره من الآلهة المزعومة التي لم يُنَزِّل به حُجَّةً تدل على أنها تستحق العبادة، أو أنها تقربكم إلى ربكم كما تزعمون، فهي مصنوعة بأيديكم، لا تَسمع ولا تُبصِر، ولا تنفع ولا تضر، ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾: يعني وحَرَّمَ تعالى أن تنسبوا إليه ما لم يُشَرِّعْهُ (افتراءً وكذبًا)، كتحريم بعض الحلال من الملابس والمآكِل، (ويدخل في ذلك أيضاً: الفتوى بغير علم).
الآية 34: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾: يعني ولكل جماعة اجتمعتْ على الكُفر: وقتٌ لحلول العقوبة بهم، ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ﴾: أي فإذا جاء الوقت المحدد لإهلاكهم، فإنهم ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عنه ﴿ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾: أي لا يتأخرون عن ذلك الوقت لحظة، ولا يتقدمون عليه.
الآية 35، والآية 36: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾: يعني إذا جاءكم رُسُلِي من أقوامكم ﴿ يَقُصُّونَ ﴾: أي يَتْلُون ﴿ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي ﴾ المُنَزَّلة عليهم، ويُبَيِّنون لكم البراهين على صِدق ما جاؤوكم به فأطيعوهم، ﴿ فَمَنِ اتَّقَى ﴾ سخط الله (بفعل الأوامر وأوَّلها التوحيد، واجتناب النواهي وأوَّلها الشرك) ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ عمله (بالإخلاص واتِّباع السُنَّة) ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يوم القيامة من عذاب الله تعالى،﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما فاتهم من حظوظ الدنيا، ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ﴾: يعني وأمَّا الكفار الذين كذَّبوا بالدلائل الواضحة على توحيد الله تعالى، وتكبَّروا عن اتِّباعها فـ ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ – أي أهْلُها – ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
واعلم أنّ القَصَص: هو إتْبَاع الحديث بعضه بعضاً، وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي ﴾، أي يَتْلُونها عليكم آية بعد آية، مُوَضِّحين لكم ما دَلَّتْ عليه مِن أحكامٍ وشرائع، ووعدٍ ووعيد.
الآية 37: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾: أي فمَن أشدّ ظلمًا ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ – وذلك بأن يقول مثلاً: (اتَّخَذَ اللهُ ولداً، أو أنه أمر بالفواحش، أو أنه حَرَّمَ كذا وهو لم يُحَرِّم، أو غير ذلك) -، ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ ﴾ المُنَزَّلة؟، ﴿ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾: يعني أولئك يَصِلُ إليهم حظُّهم من الحياة الدنيا (من الخير والشر)، مما قُدِّرَ لهم في اللوح المحفوظ، وهؤلاء، وإن تمتعوا بالدنيا، فلن يَدفع ذلك عنهم شيئاً، لأنهم يَتمتعون قليلاً ثم يُعَذَّبون طويلاً، قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾: أي حتى إذا جاءهم مَلَكُ الموت وأعوانه لِيَقبضوا أرواحهم: ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: ﴿ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾: يعني أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الشركاء والأولياء والأوثان لِيُخلِّصوكم مما أنتم فيه؟ ﴿ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ﴾: أي ذهبوا وغابوا عنا، ﴿ وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾.

لمسات بيانيه
آية (32):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (32))تخرج الأساليب في نظم القرآن عن حقيقتها فتأمل الاستفهام في الآية كيف خرج من معناه الحقيقي إلى الإنكار بغرض التهكم إذ جعل من حرم زينة الله على العباد جهلاً منه بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة.
آية (34):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)) لقد عدل الله عز وجل عن ذكر العذاب أو الاستئصال مع إرادته لذلك وذكر الأجل فقال (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وما ذاك إلا إيقاظاً لعقولهم من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم كما أنه ذكر عموم الأمم في هذا الوعيد مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا إنما هي مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم.
(لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)) ألا ترى أن (وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) لا تعلق له بغرض التهديد فمنتظر الوعيد يسأل التأخير لا التقديم وهذه السورة من روائع البيان القرآني. فكل ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التخلص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء.
————————————————————-

الوجه (5) من الاعراف
من ايه( 38◀43)
ص155
معاني كلمات الوجه 5
38ادّاركوا فيها:تلاحقوا في النّار واجتمعوا فيها
38أخراهم:منزلةً وهم الأتباع والسّفلة
38لأولاهم:منزلةً وهم القادة والرؤساء
38عذابا ضِعفاً:مضاعفاً مزيداً
40يلج الجمل:يدخل الجمل
40سمّ الخياط:ثقب الإبرة
41مِهادٌ:فراشٌ،أي مستقر
41غواش:أغطية كاللُّحُف
42وُسعها:طاقتها وما تقدر عليه
43غِلٍ:حقد ٍ وضغنٍ وعداوة
تفسير مبسط للوجه 5 من الاعراف
الآية 38: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى لهؤلاء المشركين المُفتَرين: ﴿ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ ﴾: أي ادخلوا في جُملة جماعات من الكافرين أمثالكم ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾: أي قد مضت ﴿ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ فادخلوا جميعاً ﴿ فِي النَّارِ ﴾، ثم يُخبِرُ تعالى أنه ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾: أي كلما دخلتْ النارَ جماعةٌ من أهل مِلَّة معينة: لعنتْ نظيرتها التي أضلَّتْها، فلَعَنَ المشركون بعضهم بعضاً، ولَعَنَ اليهود والنصارى بعضهم بعضاً، وهكذا، ﴿ حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ﴾: يعني حتى إذا لحق الأوَّلون من أهل المِلَل الكافرة بالآخرين منهم، فدخلوا جميعاً في النار وتقابلوا فيها: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ ﴾: أي قال الآخرون – (وهم الأتباع المرؤوسون في الدنيا) – فقالوا للأوَّلين (وهم القادة والرؤساء في الضلال): ﴿ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ) ﴾ هم الذين ﴿ أَضَلُّونَا ﴾ عن الحق، ﴿ فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا ﴾ أي مُضاعَفاً ﴿ مِنَ النَّارِ ﴾، فـ ﴿قَالَ ﴾ اللهُ تعالى: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾: أي لِكُلٍّ منكم ومنهم عذابٌ مُضاعَف من النار، ﴿ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أيها الأتباع ما لِكُلِّ فريقٍ منكم من العذاب والآلام.
الآية 39: ﴿ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ ﴾: يعني وقال الرؤساء لأتباعهم: نحن وأنتم متساوون في الضلال، ومتساوون في فِعْلِ أسباب العذاب، ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾: أي فلا أحدٌ منكم أفضلُ مِنَّا حتى تزعموا أنكم لا تستحقون العذاب، فكُلُّنا نستحقه بما فعلنا، فقال اللهُ تعالى لهم جميعًا: ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ من الظلم والشر والفساد.
الآية 40، والآية 41 : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ﴾: يعني إن الكفار الذين جحدوا بحُجَجِنا الواضحة وبآياتنا الدالة على وحدانِيَّتِنا، ولم يعملوا بشرعنا تكَبُّرًا واستعلاءً، أولئك ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾: أي لا تُفتَّح أبواب السماء لأعمالهم في حاتهم، ولا لأرواحهم عند مماتهم، ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾: أي ولا يمكن أن يدخل هؤلاء الكفار الجنة، إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة، وهذا مستحيل، ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾: يعني ومِثل ذلك الجزاء: ﴿ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ الذين كَثُرَ إجرامهم، واشتدَّ طغيانهم، وهؤلاء ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ ﴾: أي فِراشٌ مِن تحتهم مصنوعٌ من النار ينامون عليه، ﴿ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾: أي ومِن فوقهم أغطية تغشاهم – أي يَتغطون بها – مصنوعة من النار أيضاً، ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾: يعني وبمِثل هذا العقاب الشديد: ﴿ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ الذين تجاوزوا حدودَ اللهِ تعالى فكفروا به وعصَوْه.
الآية 42، والآية 43: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ – في حدود طاقاتهم – فإننا ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ أي إلا ما تطيق من الأعمال، فـ ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾: يعني وقد أذهَبْنا ما في صدور أهل الجنة من حِقدٍ وضغائن، فهم إخوة مُتحابون، لا يَحمل أحدهم غِلاًّ أو كراهيةً لأخيه، ومِن كمال نعيمهم أنهم ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾: أي تجري أنهارُ الماء والعسل واللبن والخمر مِن تحت قصورها العالية، وأشجارها الظليلة، ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ﴾: أي الحمدُ لله الذي وَفَّقنا للعمل الصالح الذي أكْسَبَنا ما نحن فيه من النعيم، ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾: يعني وما كُنَّا لِنُوَفَّق إلى سلوك الطريق المستقيم لولا أَنْ هدانا الله له، ووفَّقنا للثبات عليه، ﴿ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ من الإخبار بوعد أهل طاعته بالنعيم، ووعيد أهل معصيته بالعذاب، ﴿ وَنُودُوا ﴾: يعني ونُوديَ على أهل الجنة – تهنئةً لهم وإكرامًا – ﴿ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾: يعني إنَّ هذه الجنة قد أورثكم الله إياها برحمته، وقد منحكم هذه الرحمة بسبب ما قدَّمتموه من الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾، وقال أيضاً: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .
واعلم أنه لا تناقض بين هذه الجملة: ﴿ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يَدخل أحد الجنة بعمله)، فالباء في كلمة: (بعمله) تُسَمَّى باء المُقابَلة، كما يُقال: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ وحده ثمنًا كافيًا لدخول الجنة، بل لا بد مِن رحمة الله تعالى، أما الباء التي في قوله تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، فتُسَمَّى باء السبب؛ أي: بسبب أعمالِكم.
واعلم أن العبد إذا أصابه عُجب (يعني إعجاب وغرور) بعمله، فإنه ينبغي أن يقول هذه الجملة:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾، وذلك حتى يَنسب الفضل لله تعالى صاحب النعمة والتوفيق، ولا يَنسب الفضل لنفسه الأمَّارة بالسوء، وذلك حتى لا يَخذله الله تعالى، ويَرُدّ عليه عمله.

ما دلالة إستخدام فعل يلِج؟
يلج بمعنى يدخل ولم يقل يدخل لأن الدخول قد يكون براحة أما الولوج إلى المكان ففيه شيء من التضييق في المكان. ولوج شيء في شيء يعني كأنما يكون هناك تماسّ في الولوج لذا قال يلِج وتكون الحركة قليلة. أما الدخول فالدخول يكون واسعاً. قال يلج لأنه سم خياط وعادة حتى الخيط الرفيع لا بد أن يمس الأطراف.
سمّ: هو ثَقْب الإبرة والإبرة معروفة وهي التي يُخاط بها. ومعنى الآية دلالة على إستحالة دخول هؤلاء الذين هذه صفاتهم (كذّبوا بآياتنا) لاحظ ما قال كذّبوا آياتنا. (كذبوا بآياتنا) الباء التي فيها معنى التأكيد. كذّب بمعنى نسب الآيات إلى الكذب لكن كان يمكن أن يُعدّيها من غير باء يقول كذّبته أي نسبته االكذب لكن أدخل الباء إشارة إلى أنهم يريدون أن يلصقوا – لأن الباء الأصل فيها الإلصاق – وإن كان فيها معنى الزيادة والتوكيد كأنهم يريدون أن يلصقوا الكذب بالآيات إلصاقاً. يرغمون فكرة الكذب إرغاماً لتلتصق بآياتنا. هذا بذل جهد للتكذيب.
واستكبروا عنها: هذا الإستكبار والتعالي. وما قال استكبروا عليها حتى لا تكون الآيات تحتهم وإنما قال عنها، تجنبوها، وإن قال استكبروا والاستكبار إستعلاء قال استكبروا عنها أي إنحازوا عنها وانحرفوا عنها. الذي يبذل جهداً ويشتغل في تكذيب الآيات بنوع من الإستكبار لا تفتّح له أبواب السماء والسماء لها أبواب تحملها على الحقيقة أو على المجاز ونحن عندنا أحاديث صريحة بهذا.

لمسات بيانيه
آية (40):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (40)) تأمل هذه الصورة القرآنية التي ترسم في خيال سامعها صورة متخيلة لفتح أبواب السماء أبواب وليس باباً واحداً وصورة متخيلة أخرى لولوج الجمل في سم الخياط وهو ثقب الإبرة. وتدب الحركة في هذه الصورة التخيلية بتخيل محاولات الجمل اليائسة المتكررة دخول ثقب الإبرة. إنها صورة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهية المحضة واستحالة دخولهم الجنة بعدها.

لمسات بيانيه
آية (41):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41))صورة جديدة متخيلة لألوان العذاب في نار جهنم فانظر كيف تنقلب الألفاظ عن حقيقتها فالمهاد والغواشي ما يفرشه الإنسان ويتغطى به عند اضطجاعه للنوم. وفي الآية تتحول هذه الوسائل المريحة إلى أدوات للعذاب فشبّه البيان الإلهي ما هو تحتهم من النار بالمهاد وما هو فوقهم منها بالغواشي كناية عن إنتفاء الراحة لهم في جهنم أعاذنا الله من حسيسها. ولا يخفى ما في هذه الآية من التهكم والسخرية بأولئك الذين اتخذوا فراشاً وثيراً في الدنيا فأُبدِلوا هذا الفراش بفراش آخر ولكنه في نار جهنم.

لمسات بيانيه
آية (43):
*(الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (183)آل عمران) وفى آية أخرى (لَقَدْجَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الأعراف) مادلالة التأنيث والتذكير؟(د.فاضل السامرائى)
الأولى هي في بني اسرائيل الذين قالوا (الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ (183) آل عمران) كم واحد جاءهم بقربان تأكله النار؟ قليل. أما الثانية ففى الآخرة يوم القيامة عند الحساب عندما يخاطب الله تعالى الناس، الآخرة يوم القيامة كل الرسل للدلالة على كثرة الرسل الذين بعثوا إليهم.

————————————————

تفسير مبسط للوجه 6 من الاعراف ص 156

الآية 44، والآية 45:
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ﴾ – بعد دخولهم فيها – ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ﴾ من النعيم الذي أعَدَّهُ لأهل طاعته، ﴿ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ﴾ من العذاب الذي أعَدَّهُ لأهل معصيته؟ ﴿ قَالُوا نَعَمْ ﴾ ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾: أي فنادَى مُنادٍ بأعلى صوته بين أهل الجنة وأهل النار: ﴿ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: أي الذين كانوا يَصُدُّون الناس – ويَصُدُّون أنفسهم – عن اتباع طريق الله المستقيم، وهو الإسلام، ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾: أي ويطلبون أن تكون سبيل الله – وهي الإسلام – معْوَجَّة حتى لا يسلكها أحد، وحتى يجعلوا الشريعة تميل مع شهواتهم وميُولهم فتخدم أغراضهم، ﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾.

الآية 46:
﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾: يعني: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز عظيم يُقال له “الأعراف”، ﴿ وَعَلَى ﴾ هذا ﴿ الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، ينتظرون قضاء الله فيهم، ويرجون رحمته تعالى بهم، وهؤلاء الرجال ﴿ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ﴾: أي يعرفون أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم، كَبَيَاض وجوه أهل الجنة، وسَواد وجوه أهل النار، ﴿ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾: أي ونادى رجال الأعراف على أصحاب الجنة بالتحية ﴿ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾: يعني وأهل الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يرجون دخولها.

الآية 47:
﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾: يعني وإذا حُوِّلَتْ أبصار رجال الأعراف جهة أهل النار: ﴿ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.

الآية 48، والآية 49:
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾: أي ونادى أهل الأعراف على رجالٍ من قادة الكفار في النار، يعرفونهم بعلاماتٍ خاصة تميزهم، فـ ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾: أي ما نَفَعَكم ما كنتم تجمعون في الدنيا من الأموال والرجال (للحروب)، وما نَفَعَكم تكبُّركم عن الإيمان وقَبول الحق.

  • ثم أشاروا إلى أُناسٍ من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يَستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: ﴿ أَهَؤُلَاءِ ﴾ الذين أدخلهم اللّه الجنة هم ﴿ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾: أي أقسمتم في الدنيا بأنهم لن يُكرمهم اللهُ تعالى، ولن يَرفع لهم قدْراً لأنهم فقراء ضعفاء؟، فلمَّا قال أصحاب الأعراف ذلك، قيل لهم: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ يا أصحاب الأعراف فقد غُفِرَ لكم، و ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ﴾ من عذاب الله، ﴿ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾.
  • واعلم أنّ بعض المفسرين قد فَسَّروا قوله تعالى: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ بأنَّ أصحاب الأعراف لَمَّا وَبَّخوا أهل النار بقولهم: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾، أقسَمَ أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم، فقالت الملائكة لأهل النار: (أهؤلاء – وأشاروا إلى أصحاب الأعراف – هم الذين أقسمتم يا أهل النار أن الله لن يدخلهم الجنة، وأنهم سيدخلون النار معكم؟)، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾.

آية 50، والآية 51:
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾ – مُستغيثين بهم – ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا ﴾: أي صُبّوا علينا وأعطونا ﴿ مِنَ الْمَاءِ ﴾ – وذلك لشدة عطشهم (بسبب حَرّ جهنم) -، ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ من الطعام، فـ ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا ﴾: أي حَرَّم الشراب والطعام ﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا ﴾: أي الذين أعرَضوا عن الدين الذي أمرهم الله باتباعه، واستهزءوا به، واستبدلوه باللهو واللعب، (واعلم أن اللعب: هو العمل الذي لا يَجلِبُ دِرهماً للمعاش، ولا حسنةً للمَعاد، وأما اللهو: فهو كل ما يُشغِلُ الإنسانَ عمَّا يُكسِبُهُ خيراً أو يَدفع عنه ضرراً)، ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾: أي وخدعتهم الحياة الدنيا، وشُغِلُوا بزينتها عن العمل للآخرة، ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ ﴾: يعني فيوم القيامة نتركهم في العذاب المُوجع، وذلك ﴿ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾: أي كما تركواالعمل، ولم يستعدوا للقاء هذا اليوم، ﴿ وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾: يعني وبسبب إنكارهم لأدِلَّة اللهِ وبراهينه الواضحة، معَ عِلمهم بأنها حق.

  • وقد ثبت أنَّ عبد الله ابن عمر شَرِبَ ماءً بارداً، فبَكى، فسُئِل: (ما يُبكيك؟)، فقال: (ذَكَرْتُ آيةً في كتاب الله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾، فعرفتُ أنّ أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل: ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾.
  • واعلم أننا قلنا بأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ ﴾ أي نتركهم في العذاب، لأن الله تعالى قد أخبر عن نفسه فقال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾، وقال تعالى: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾، وعلى هذا فمِن الأخطاء الشائعة: قوْل بعض الناس – إذا ماتَ لهم مَيِّت – : (ربنا افتكره) أو (افتكاره رحمة)، وذلك على حَدّ قوْلهم.

 لمسات بيانيه

آية (44):

* (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)) الخطاب في الآخرة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وعبَّر عنه بالنداء فلِمَ اختير النداء دون القول أي عندما قال تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً )

إن في خطاب أصحاب الجنة لأصحاب النار بالنداء دون القول كناية عن بلوغه أسماع أصحاب النار من مسافة سحيقة البعد فإن سعة الجنة وسعة النار تقتضيان ذلك لا سيما مع قوله (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ (46) الأعراف).

 لمسات بيانيه

آية (45):

* ما دلالة تكرار (هم) في الآية (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) يوسف) بينما في سورة الأعراف لم يكرر (هم) (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45))؟(د.فاضل السامرائى)

نعرف الحكم النحوي لماذا التكرار؟ التكرار يفيد التوكيد. (هم كافرون) آكد من عدم ذِكر (هم). من أهم أغراض التكرار في اللغة التوكيد. إحدى الآيتين مؤكدة والأخرى ليست مؤكدة. نوضح المسألة:
◀ أولاً في الأعراف (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)) من دون تكرار. لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله. نأخذ آية شبيهة بها في سورة هود (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)) كرّر (هم). لو لاحظنا الآيتين: زاد على الأولى الإفتراء على الله الكذب (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) أما في الأولى فما قال وإنما قال(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا).
◀في سورة هود قال (الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) زاد على الأولى الإفتراء على الله الكذب وكذبوا على ربهم. إذن زاد على الصد عن سبيل الله وبغيها عوجاً الكذب على الله هل له درجة واحدة؟ كلا. لو أردنا أن نضع (هم) نضعها في المكان الذي وضعت فيه لأن هؤلاء زادوا الافتراء والكذب على الله فاستحقوا التوكيد.

◀نأتي إلى سورة يوسف وآيات أخرى: في سورة يوسف (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)) أيّ الأشد، الكافر أو الظالم؟ الكافر أشد لأن الظالم قد يكون مسلماً. هناك قال (الظالمين) وهنا قال (كافرون) أيهما الأولى بالتوكيد؟ الكافرون أولى فوضع (هم) مع الكافرين.

◀في سورة فصلت (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)) من الأشدّ، المشرك أو الظالم؟ المشرك أشدّ فقال (وهم كافرون) إذن هو يؤكد حيث ينبغي التوكيد. أقل ما ذكر في الأعراف (وهم بالآخرة كافرون) فلم يؤكد وكل المذكور بعده أشدّ إما أن زاد الإفتراء على الله فكرر وأكّد وإما أنه وصفهم بالكفر وهو أشد من الظلم ووصفهم بالشرك وهو أعظم من الكُفر. إذن وضع كل تعبير في مكانه في البلاغة. التكرار يفيد التأكيد. زيادة في الكفر بالآخرة وإلا لم يؤكّد. هم أنفسهم يؤكدون مفرهم. يعني عذا أشد كفر لأن الكفر بعضه أشد من بعض وهو ليس مرتبة واحدة فلما ذكر أموراً أشدّ أكّد الكفر وكانوا أكثر كفراً وأبعد في الكفر (هم كافرون).

 لمسات بيانيه

آية (46):

* قال تعالى في سورة الأعراف (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ (46)) ما معنى الأعراف؟ وهل هي تشمل الرجال والنساء أو يقصد بها الرجال فقط؟(د.فاضل  السامرائى)

◀الأعراف حجاب حاجز بين أهل الجنة وأهل النار. كلمة الأعراف أي السور المضروب بين الجنة والنار. الأعراف جمع عُرف باعتباره عالي.
◀رجال: هو يتكلم على مسألة معينة فيها كلام، الأعراف لمن تستوي حسناته وسيئاته سواء كان رجلاً أو امرأة لكن هو الآن الكلام على رجال لا يتكلم على أهل الأعراف جميعاً وإنما الذين ينادون فالحادثة هكذا كما تخبر عن شخص في مجموعة، هذه الحادثة فيها رجال يتكلم فيها عن الرجال.

 لمسات بيانيه

آيه 51:

* (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)الأعراف) (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة) كيف ينساهم الله تعالى؟(د.حسام النعيمى)

أحياناً نحن نأخذ الكلمة على معنى واحد من معانيها ونتحيّر فيها بمعنى أنه نحن نفهم النسيان نسيت هذا الأمر بمعنى غاب عن ذاكرتي وهذا ليس معنى النسيان في لغة العرب دائماً وله دلالة أخرى وهي↘ الترك والإهمال. لما تقول نسيت هذا الأمر بمعنى أهملته. (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) هم لم يكونوا متذكرين للقاء هذا اليوم حتى ينسوه وإنما كانوا منكرين له مهملين له. هل نسوا يوم القيامة؟ أم كانوا غير مكترثين به؟ فالنسيان هنا جاء بمعنى عدم الإكتراث والعبء بالشيء.نسيتها أي أهملتها فاليوم تُهمل من رحمة الله عز وجل يعني لا تنالك رحمة الله عز وجل لأنه (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) بمعنى الغفلة عن الشيء لكن هنا النسيان بمعنى ترك الشيء وإهمال الشيء أنه يهمل واليوم تُنسى يعنى تُهمَل. السياق هو الذي يعين على فهم المعنى. القرينة السياقية المعنوية في الحقيقة أن الله تعالى لا يغيب عنه شيء فلا يُنسب له النسيان الذي نتخيله للوهلة الأولى أنه غفل عن الشيء، كلا. ليس في السياق الموجود فقط ولكن للقرينة المعنوية أيضاً . كلمة النسيان↩ التي بمعنى الغفلة لا تُنسب لله سبحانه وتعالى  نأخذها من المعنى أن الله عز وجل لا يُنسب له الغفلة لقوله سبحانه وتعالى (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى). لكن من المعنى: أنت تقول مثلاً: بنى الأمير المدينة الفلانية فهل تفهم منها أنه ذهب بنفسه ووضع الحجر أو أمر ببنائها؟  أمر ببنائها. من أين فهمنا هذا المعنى؟ السياق ليس فيه أن الأمير بنى المدينة. من السياق والفكر والعلم يحملك على القول أنه ليس هو الذي قام عملياً بالبناء وإنما أمر به. فلما تأتي (فاليوم ننساهم) الله سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى فلا ينسب له النسيان. ↩وثانياً من اللفظ نفسه : هم لم ينسوا لقاء يوم القيامة وإنما ما أعدّوا له عدة ولم يكترثوا به. لا يقول أحد نسوه هم لم يتذكروه حتى نسوا وإنما ما أعدوا له العدة. قال تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى) هو لما خوطب بآيات الله تعالى إبتداءً أهملها ولم يلق لها بالاً فإذن اليوم تُنسى في نفس النمط أي لا يلقى لك بالاً،  وليس أن هناك تعارض بين الآيات وهذا كلام عربي يفهمه العربي ومتعلّم العربية يفهمه أيضاً.

 لمسات بيانيه

آية (51):

*ورتل القرآن ترتيلا ً:

(فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51))
◀انظر في الآية وتدبر ألفاظها. فالنسيان في الموضعين نسيان ترك وإهمال لاحظ الآية (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ) ولا حاجة لذكر اليوم لتمام المعنى دونه ولكن الله آثر ذكر (اليوم) لما فيه من إثارة تحسرهم وندامتهم وذلك لون من ألوان العذاب النفسي. ودلّ معنى كاف التشبيه في قوله (كَمَا نَسُواْ) على أن حرمانهم من رحمة الله كان مماثلاً لإهمالهم التصديق باللقاء وهذه المماثلة مماثلة اعتبارية مماثلة جزاء العمل للعمل.

———————————————————————–

تفسير مبسط للوجه7 لسورة الأعراف ص157:

الآية 52:
﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ ﴾: أي ولقد جئنا الكفار بقرآنٍ أنزلناه عليك أيها الرسول، وهذا القرآن قد ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾: أي بَيَّنَّا فيه جميع الأشياء التي يحتاج إليها الخلق، وذلك ﴿ عَلَى عِلْمٍ ﴾ مِنَّا بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وبما يَصلح لهم وما لا يَصلح، (وليس تفصيلُهُ تفصيلَ غير عالمٍ بالأمور، فيَجهل بعض الأحوال فيَحكم حُكماً غير مناسب، بل هو تفصيلُ مَن أحاطَ عِلمُهُ بكل شيء، وَوَسِعَتْ رحمته كل شيء)، وقد جعلنا هذا القرآن ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.

آيه53

  • ثم أنكَرَ تعالى على أهل مكة عدم مُسارعتهم إلى الإيمان، بعد أن جاءهم هذا الكتاب المُفَصّل، فقال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾: يعني هل ينتظر الكفار إلا ما وُعِدوا به في القرآن من العقاب الذي يَؤول إليه أمرهم يوم القيامة، وساعتها سيؤمنون؟! ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾: يعني يوم يأتي هذا العقاب الذي يَؤول إليه أمرهم: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ﴾: أي يقول الكفار الذين تركوا القرآن، وكفروا به في الحياة الدنيا: ﴿ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾: أي قد تبيَّن لنا الآن أنَّ رُسُل ربنا قد جاؤوا بالحق ونصحوا لنا، ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ﴾ عند ربنا، ﴿ أَوْ نُرَدُّ ﴾ إلى الدنيا مرة أخرى ﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: أي أهلكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حينَ كان في إمكانهم أن يجعلوها تفعل الخير الذي سيؤدي بهم إلى الجنة)، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً من شفاعة آلهتهم لهم يوم القيامة.

الآية 54:
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ﴾ أيها الناس – الذي يجب أن تعبدوه وحده – هو ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾: أي عَلا وارتفع على العرش (استواءً يليق بجلاله وعظمته)، ودَبَّرَ الممالك، وأجْرَى عليها أحكامه الكونية، فـ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾: يعني يُدخِلُ سبحانهُ الليلَ على النهار، فيُلبِسَهُ إيَّاهُ حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل فيُذهِب ظلامه، ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾: يعني وكل واحد منهما يَطلب الآخر طلباً حَثيثاً – أي سريعا – (إذِ الحَثّ: هو الإعجال والسرعة)، فيَطلبه سريعاً حتى يُدركه، فكلما جاء الليل: ذهب النهار، وكلما جاء النهار: ذهب الليل، وهكذا أبداً على الدوام، حتى يَطوي اللّهُ هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار.

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ﴾
خلقهنَّ سبحانه، وجعلهنَّ
﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾: أي مُذلَّلاتٍ له، يُسَخِرهنَّ سبحانه كما يشاءُ ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾: أي بتدبيره الدالّ على ما له مِن أوصاف الكمال (إذ إنّ عظمة هذه المخلوقات: دالّةٌ على عظمة خالقها وكمال قدرته)، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام: دالٌّ على كمال حِكمته)، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه: دالٌّ على سِعَة رحمته بالخلق، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ ﴾: أي له سبحانهُ صفة الخَلق التي صدرتْ عنها جميع المخلوقات، فجميع المخلوقات ملكٌ له سبحانه، ﴿ وَالْأَمْرُ ﴾: أي وله الأمرُ وحده، يَحكم ما يشاء ويَفعل ما يريد، فلا خالقَ إلا هو، ولا آمرَ ولا ناهِيَ غيره (فالخَلق: يتضمن أحكامه الكونية والقدَريَّة، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية والشرعية)، ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي عَظُمَتْ قدرته، وكَثُرَ خيره وفضله، (فتباركَ سبحانه في نفسه لِعظمة أوصافه وكمالها، وباركَ في غيره بإنزال الخير الكثير).

الآية 55:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ تَضَرُّعًا ﴾: أي تذلُّلاً وخشوعاً ﴿ وَخُفْيَةً ﴾: أي سرًّا، غير رافعين أصواتكم بالدعاء، ولْيَكُن دعاؤكم بحضورِ قلبٍ وإخلاص وبُعْدٍ عن الرياء، فـ ﴿ إِنَّهُ ﴾ تعالى ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ المتجاوزين حدودَ شَرْعِه، وأعظم التجاوُز: الشِرك بالله، كدعاء غير الله من الأموات والأوثان، ونحو ذلك.

الآية 56:
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ أي بعد إصلاح اللهِ لها بِبَعث الرُسُل، وبعد عُمْرانها بطاعة الله تعالى، (﴿ وَادْعُوهُ ﴾ سبحانه ﴿ خَوْفًا ﴾ مِن عقابه ﴿ وَطَمَعًا ﴾ في ثوابه، (وفي هذا رَدٌّ على مَن يَزعمون أنهم لا يعبدون اللهَ طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، فقد أمرَ اللهُ تعالى عباده بدعائه خوفاً وطمعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم – وهو خيرُ الخلق – يقولُ في دعائه: (اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل))، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما سألَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ الجنة ثلاثاً، إلا قالت الجنة: (اللهم أدْخِله الجنة)، ولا استجارَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ من النار ثلاثاً، إلا قالت النار: (اللهم أجِرْهُ مِنِّي)) (انظر صحيح الجامع حديث رقم: 5630).

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الذين يُحسنون أعمالهم ونِيَّاتِهِم، وذلك بمراقبتهم للهِ تعالى في كل أحوالهم، ومِن ذلك إحسان الدعاء بإخلاصه وإتقانه، (واعلم أن الإحسانُ – كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مُسلِم – : “أنْ تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ، فإنه يَراك”، وذلك بأن يتق العبدُ رَبَّهُ قدرَ ما يستطيع، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، فكلما كان العبدُ أكثرَ إحساناً، كلما كان أقرب إلى رحمة ربه).

  • ورغم أنه كان من المُتوقَّع أن يَذكر الله تعالى كلمة (قريب) بصيغة المُؤنَّث، فيقول مثلاً: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌة مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، لأنها جاءت مع كلمة (رحمة) المؤنثة، إلا أنها جاءت بصيغة المُذكَّر، وأحسن ما قِيلَ في ذلك أنَّ كَلِمَتَي (قريب وبعيد) إذا جاءا مع النَسَب والقَرابة، فإنه يَجب تذكيرهما مع المُذكَّر وتأنيثهما مع المُؤنَّث، مِثل: (زيد قريب عمر، وعائشة قريبة بكر)، وأما إذا جاءا مع غير النسب والقرابة، فإنه يجوز أن يأتيا بصيغة المُذكَّر كما يجوز أن يأتيا بصيغة المُؤنَّث، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾، فذكَرَ لفظَي (قريب وبعيد) بصيغة المُذكَّر مع أنّ الوصف كان لِمُؤنَّث، وذلك لأنهما جاءا مع غير النسب والقرابة.

الآية 57:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾: يعني واللهُ تعالى هو الذي يُرسل الرياح الطيبة التي تبشر الخلق بقرب نزول رحمة الله (وهي المطر، الذي تثيره الرياح بإذن الله تعالى)، ﴿ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا ﴾: يعني حتى إذا حَمَلت الريحُ السحابَ المُحَمَّل بالمطر: ﴿ سُقْنَاهُ ﴾: أي سُقنا السحاب ﴿ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾ قد جَفَّتْ أرضُهُ و أشجاره وزَرْعُه، ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني كما نُحيي هذا البلد الميت بالمطر: ﴿ نُخْرِجُ الْمَوْتَى ﴾ من قبورهم أحياءً بعد موتهم، وقد أراكُمُ اللهُ تعالى هذا الفِعل (وهو إحياء الأرض بالماء) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾: أي لعلكم تتعظون، فتستدلوا على قدرة اللهِ تعالى على البَعث، فإنَّ القادر على إحياء مَوَات الأرض: قادرٌ على إحياء مَوَات الأجسام، فبذلك توقنون بلقاء ربكم، وتستعدون له بالاستغفار والعمل الصالح.

 لمسات بيانيه

آيه53:

* (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ (53)) هل سمعت بالاستعاذة التهكمية؟(ورتل القرآن ترتيلا ً)

إنها لون من تفنن القرآن في تعبيره فالآية هنا تتحدث عن انتظار الكفار لوعيدهم فشبّه حال تمهلهم إلى الوقت الذي سيحل عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين وهم ليسوا بمنتظرين ذلك إذ هم جاحدون وقوعه. فهذه الصورة جرياً على الاستعارة التي أريد بها التهكم بحالهم فأنّى لهم أن يترقبوا عذاب الله. أوينتظر الإنسان العذاب أو يفر منه؟! لكنه تهكم من جانب وإظهار لما اختبأ في صدورهم من جانب آخر.

 لمسات بيانيه

آية (53):

*ما دلالة التذكير والتأنيث في قوله تعالى (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ (53) الأعراف) ؟(د.فاضل  السامرائى)

بحسب القاعدة النحوية المعروفة أنه جائز باعتبار أن جمع التكسير يجوز تذكيره وتأنيثه. يؤنّث الفعل عندما يكون الفاعل أكثر وإذا كان أقل يُذكّر الفعل.

 كذلك في قوله تعالى (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) آل عمران) هؤلاء مجموعة من الرسل

أما في قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) الأعراف)المذكورون هم جميع الرسل وهم أكثر من الأولى لذا جاء الفعل مؤنثاً.

 لمسات بيانيه

آية (55):

*ما الفرق بين الخيفة والخفية في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى)

قال تعالى في سورة الأعراف (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةًوَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ {205})
وقال تعالى في سورة الأعراف أيضاً (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {55}).

 في اللغة الخفية: من الخفاء (إذ نادى ربه نداء خفيا) والخيفة: من الخوف.
ومعنى قوله تعالى (واذكر ربك في نفسك) أن تعلم ما تقول أي لا تذكر ربك وقلبك غافل، وتضرعاً من التضرع والخيفة وهو بمعنى التذلل والتمسكن والمسكنة والتوسل، ودون الجهر من القول بمعنى أن تُسمع نفسك ولا ترفع صوتك، فلو ذكرت ربك بصوت غير مسموع ولكن لم تعلم ما تقول فأنت لم تذكر ربك في نفسك

 لمسات بيانيه

آية (54):

*ورتل القرآن ترتيلا ً:

(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا (54)) انظر كيف يخلع القرآن الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية لترقى فتصبح حياة إنسانية ففي هذه الآية يجعل البيان القرآني الليل والنهار شخصان يفيضان حياة وحركة. وقد صور لنا الليل هنا في سمت الشخص الواعي له إرادة وقصد فها هو يطلب النهار مسرعاً مستمراً دائماً لا ينقطع حتى قيام الساعة ولكنه محال أن يلحق به فقد قال تعالى (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ (40) يس).

 لمسات بيانيه

آية (57):

*ما الفرق بين كلمة ريح ورياح في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى)

كلمة ريح في القرآن الكريم تستعمل للشّر كما في قوله تعالى في سورة آل عمران (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {117}) .

أما كلمة الرياح فهي تستعمل في القرآن الكريم للخير كالرياح المبشّرات كما في قوله تعالى في سورة الأعراف (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {57}).

*لماذا اختلاف صيغة الفعل في قوله تعالى ((وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُالرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {57}) الأعراف)؟(د.فاضل  السامرائى)

زمن الأفعال تعبّر أحياناً عن الأحداث المستقبلية بأفعال ماضية (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} الزمر) والأحداث الماضية بأفعال مضارعة حكاية الحال تُعبّر عن حدث ماضي بفعل مضارع كأنما نريد أن نستحضر الحدث أمامنا مثل قوله تعالى في سورة الأعراف (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {57}).

* ما دلالة  وصف للسحاب فى الآية (57) الأعراف ؟(د.حسام النعيمى)

كلمة السحاب وردت في تسعة مواضع والسَحاب هي بفتح السين وليس لها وجه آخر والسَحابة بفتح السين.

في سورة الأعراف أول موضع من المواضع التي وصف فيها السحاب(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)) هنا قال بشرى بين يدي رحمته، الرياح مبشرات. العربي عندما يشم رائحة الهواء يقول هذا وراءه غيث ولو بعد نصف نهار يشمّه وهذا من الخبرة والتجربة. (بشرى بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً) وصفه بالثقل أي ماؤه كثير. (سقناه لبلد ميت) لما يقول البلد ميت معناه الأرض ميتة ليس فيها نبت لكن حقيقة الحال لولا الماء والنبات الحيوان يموت والناس تموت (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) فيها كلام تفصيلي الآن. وصف السحاب بالثقل لأن فيه إنزال للماء وإخراج من كل الثمرات (كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون).

IMG-20160131-WA0002 IMG-20160131-WA0001



IMG-20160205-WA0008 IMG-20160205-WA0009 IMG-20160205-WA0016 IMG-20160205-WA0010 IMG-20160205-WA0011 IMG-20160205-WA0015 IMG-20160205-WA0012 IMG-20160205-WA0013 IMG-20160205-WA0014

IMG-20160209-WA0012 IMG-20160209-WA0010 IMG-20160209-WA0008 IMG-20160209-WA0006 IMG-20160209-WA0004 IMG-20160209-WA0002

——————————–

تفسير مبسط للوجه8
للأعراف ص158

لآية 59:

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾ ليدعوهم إلى التوحيد وترْك الشِرك، ﴿ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يستحق العبادة
﴿ غَيْرُهُ ﴾
إذِ إلإلهُ الحق هو مَن يَخلقُ ويَرزق ويُدَبِّر، ويُحيي ويُميت، ويَضر ويَنفع، ويَسمع ويُبصِر، فأخلِصوا له العبادة، فإن لم تفعلوا وبقيتم على عبادة أصنامكم، فـ ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو عذاب يوم القيامة.

 الآية 60:

﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: أي قال له أشرافُ القوم وسادتهم: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ عن طريق الصواب، بسبب عداوتك لآلهتنا، وبسبب إنكارك علينا لعبادتنا إيّاها.

الآية 61:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ ﴾: أي لستُ ضالاً بأيّ وجهٍ من الوجوه، ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 آيه62:

﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ﴾: أي أُبلِّغكم ما أُُرْسِلْتُ به مِن ربي، ببيان توحيده وإبلاغ أوامره ونواهيه، ﴿ وَأَنْصَحُ لَكُمْ ﴾
مُحَذرًا من عذاب الله ومُبشرًا بثوابه، ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فاتبعوني وأطيعوا أمري فيما أُبلِغُكُم عنهُ سبحانه.

 الآية 63:

﴿ أَوَعَجِبْتُمْ ﴾: يعني وهل أثارَ عَجَبَكُم ﴿ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ ﴾ أي تذكيرٌ لكم ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ بما فيه الخير لكم، وذلك ﴿ عَلَى ﴾ لسان ﴿ رَجُلٍ مِنْكُمْ ﴾ تعرفون نَسَبَهُ وصِدقه ﴿ لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ العذاب المترتب على الكفر والمعاصي، ﴿ وَلِتَتَّقُوا ﴾ سخطَ اللهِ تعالى بالإيمان به وتوحيده، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾: أي وبذلك تنزل رحمة اللّه عليكم وتنالوا ثوابه العظيم إذا اتقيتموه، – فأيُّ عَجَبٍ لكم في ذلك؟! – (واعلم أنّ كلمة: لَعَلَّ، وكلمة: عَسَى، إذا جاءت من اللهِ تعالى، فإنها تفيد التأكيد ووجوب الوقوع).
فلم يؤثر فيهم ذلك الوعظ

 آيه64:

﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ – فوقع عليهم عذابُ الله (وهو الطوفان) -، ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ﴾: يعني فأنجينا نوحاً ومَن آمَنَ معه في السفينة، ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ الواضحة، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾: أي عُمْيَ القلوب عن رؤية الحق.

الآية 65:

﴿ وَإِلَى عَادٍ ﴾: أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة عاد: ﴿ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ حينَ عبدوا الأصنام مِن دون الله، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ ﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ عذابَ الله وسخطه عليكم إن بقيتم على ما أنتم عليه،

آيه 66:

 ﴿ قَالَ الْمَلَأُ ﴾: أي قال الكُبَراء والسادة ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ﴾: أي إنا لَنَعْلم أنك ناقص العقل، بسبب دَعْوَتِكَ إيَّانا إلى ترْك عبادة آلهتنا وعبادة الله وحده، ﴿ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ على اللهِ فيما تقول.

الآية 67:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ﴾أي ليس بي نقصٌ في عقلي، ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

الآية 58:

﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾: يعني والأرض الطيبة النقية إذا نزل عليها المطر: تُخْرج نباتًا طيبًا عظيم النفع (وذلك بإذن اللهِ ومشيئته)، وكذلك المؤمن صاحب القلب الحي الطيب، إذا سمع ما يَنزل من الآيات: يَزداد إيمانه وتَكثر أعماله الصالحة، ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾: يعني وأمَّا الأرض الرديئة فإنها لا تُخرج النبات إلا رديئاً قليلاً، لا نفعَ فيه، وكذلك الكافرُ لا ينتفعُ بآيات الله تعالى، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني مِثل ذلك التنويع البديع في ضَرْب الأمثال: ﴿ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾: أي نُنوِّع الحُجَج والبراهين لأُناسٍ يشكرون نِعَمَ الله تعالى ويطيعونه، إذِ الشاكرون هُمُ المنتفعون بهذه الآيات التي فصَّلها اللّهُ في كتابه، لأنهم يَرونها مِن أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيَتلقونها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها، فيُبَيِّن اللهُ لهم مِن مَعانيها، فيَزدادون بها يَقيناً، وأما الكافرون الجاحدون فإنهم لا ينتفعون بها، لأنّ قلوبهم خبيثة غافلة مُعرِضة، ليستْ أهلاً لدخول آيات اللهِ فيها.

 لمسات بيانيه

آية (64):

*ورتل القرآن ترتيلا ً:

 (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا (64))
تأمل كيف يختصر البيان الإلهي الزمن فمع وجود الفاء في قوله (فَأَنجَيْنَاهُ) الدالة على التعقيب فأنت تعلم بأن التكذيب كان من القادة ثم العامة ثم أعقب الوحي وصناعة الفلك ثم بعد ذلك يرتب الوقائع بحسب الأهمية. إن الله أسرع في هذا الإخبار بالإنجاء وجعله مقدماً على الإخبار بالإغراق مع أن مقتضى العبرة تقديم إغراق المكذبين
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا). ⏪ قدّم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرّة السامعين من المؤمنين.

 لمسات بيانيه

آية (65):

*ما دلالة الواو في قوله تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (65)) ؟ (د.فاضل السامرائى)

لو قرأنا قصص الرسل في الأعراف كل قصة ثم قال (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (65)) معطوفة على (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59))ثم تأتي قصة نوح ثم (وَإِلَى عَادٍ) معطوفة على (أَرْسَلْنَا نُوحًا) يعني وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، أخاهم مفعول به منصوبة. نقول (وإلى عاد) هذ الواو واو العطف ثم قال (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (73))تكلم على عاد وما فيها ثم قال (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (73)).
——————————————————–

تفسير مبسط للوجه (٩)لسورة الأعراف ص١٥٩

 آيه٦٨:

﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ﴾: أي أُبلِّغكم ما أُُرْسِلْتُ به مِن ربي، ببيان توحيده وإبلاغ أوامره ونواهيه، ﴿ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.

 الآية ٦٩:

﴿ أَوَعَجِبْتُمْ ﴾: يعني وهل أثارَ عَجَبَكُم﴿ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ ﴾ أي تذكيرٌ لكم ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ بما فيه الخير لكم، وذلك ﴿ عَلَى ﴾ لسان ﴿ رَجُلٍ مِنْكُمْ ﴾ تعرفون نَسَبَهُ وصِدقه ﴿ لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ العذاب المترتب على الكفر والمعاصي،﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ نعمة اللهِ عليكم ﴿ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ ﴾ أي تَخْلُفون – في الأرض – مَن قبلكم، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ هلاك ﴿قَوْمِ نُوحٍ ﴾ ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ﴾: يعني وَزادَ في أجسامكم قوةً وضخامة، ﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ ﴾: أي فاذكروا نِعَمَ الله عليكم، واشكروهُ تعالى بعبادتهِ وحده ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾: أي رجاءَ أن تفوزوا في الدنيا والآخرة (وفي هذا دليلٌ على أنّ ذِكرَ النِعَم طريقُ الفلاح، ولذلك كانَ أحد الدُعاة ينصحُ تلاميذه بأن يكتبوا نِعَمَ اللهِ عليهم في ورقة، ثم يَشكروا اللهَ عليها).

 آيه٧٠:

﴿ قَالُوا ﴾: أي قالت عادٌ لِهود عليه السلام: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ﴾ ﴿ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾: أي ونترك عبادة الأصنام التي وَرِثنا عبادتها عن آبائنا؟ ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾.

 الآية ٧١:

﴿ قَالَ ﴾ هود لقومه: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾: أي قد حَلَّ بكم غضبٌ من ربكم مُستوْجِبٌ لعذابكم، (واعلم أنّ قوله تعالى: (قد وقع) معناهُ هنا: قد وجب، أي: لابُدّ مِن وقوعه، فإنه قد اكتملتْ أسبابه، وحان وقت الهلاك).

ثم قال لهم: ﴿ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ ﴾: يعني أتجادلونني في هذه الأصنام التي ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ آلهةً ﴿ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ و ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾: أي ما نزَّل اللهُ بها مِن حُجَّةٍ تدل على أنها تستحق العبادة، أو أنها تقربكم إلى ربكم كما تزعمون، فهي مصنوعة بأيديكم لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر،﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ نزولَ العذاب عليكم فـ ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ نزوله، فوقع عذابُ اللهِ بإرسال الريح الشديدة عليهم

 آيه٧٢:

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ﴾ خاصَّة، لا تكونُ إلا للمؤمنين، ﴿ وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾:يعني وأهلكنا الكفار من قومه جميعاً، ودمَّرناهم عن آخرهم، (واعلم أنّ دابر القوم: آخِرَهم، لأنه إذا هَلَكَ آخرُ القوم، فقد هَلَكَ أوَّلهم)، ﴿ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾.

الآية ٧٣:

﴿ وَإِلَى ثَمُودَ ﴾: أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود: ﴿ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ لَمَّا عبدوا الأوثان مِن دون الله، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾
يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾
فأخلِصوا له العبادة،﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً ﴾: أي قد جئتكم بالبرهان على صِدق ما أدعوكم إليه، إذ دعوتُ اللهَ أمامكم، فأخرج لكم من الصخرةِ ناقةً عظيمة كما سألتم، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ﴾ من المراعي، ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ – (واعلم أنّ إضافة الناقة إلى اللهِ تعالى في قوله: ﴿ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾، إنما هو للتشريف والتخصيص، مثل: بيت الله).

 لمسات بيانيه

آية (٦٨):

*لماذا جاءت (ناصح) بإسم الفاعل(وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) الأعراف)مع أنها جاءت بعدها بصيغة الفعل ؟(د.حسام النعيمى)

  • لو تأملنا الآية، النظر في كلام الله سبحانه وتعالى يُظهر أو يبين عِلل الإختيار.
    ? في الآية الأولى
    (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٦٢)) هذه مع نوح U
    ◀فاستعمل الفعل (أنصح) وبالاستمرارية أي بالفعل المضارع الذي فيه معنى التجدد والاستمرار لأنه مستمر في نُصحهم.

?الآية الأخرى في السورة نفسها عن هود U (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ
نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)
◀استعمل إسم الفاعل (ناصح).
علماؤنا هنا يقولون هناك فرق بين التُهمتين:

 التهمة الأولى الضلال إتهموا نوحاً بأنه في ضلال، ضالّ والضلال هو التيه ضال أي تائه أي بعيد عن الصواب، بعيد عن الحق، بعيد عما هو عليه آباؤنا والضلال وصف غير ثابت يتغير بسرعة، تقول للإنسان مثلاً هذا طريق ضلال إنحرف إلى هنا تحوّل إلى هنا فيتحول ليس فيه هذا التشبث أو التمسك لما يكون ضال في الطريق أنت في أفكارك أنت ضال تحول إلى أفكارنا عد إلى عبادة ما نعبد والأمر سهل بدل أن تعبد ربك إعبد أصنامنا فأنت في ضلال يمكن أن يتغير فلما كان الأمر يتعلق بشيء سهل التغيير استعمل (الفعل) في الرد عليه لما كانت التهمة تتعلق بفعل استُعمِل الفعل في الجواب عنه

 لكن لما كان الأمر يتعلق بشيء يكاد يكون ثابتاً في الإنسان وهو السفاهة، الإنسان السفيه هذه خِلقة، السفاهة نوع من الحمق.

لكل داء دواء يستطب له     إلا الحماقة أعييت من يداويها

ومن معنى السفاهة الحمق ورجعت إلى لسان العرب السفه في الأصل الخِفّة والطيش والسفيه الجاهل والساذج الأحمق.
☆ الضلال أمر طارئ يمكن أن يتحول عنه
☆ أما السفه يمكن أن يتحول عنه لكن بمدة طويلة يكاد يكون بهذا الشكل
?فلما كان الأمر يتعلق بإتهام ثابت يكاد يكون ثابتاً إحتاج لنفيه أن يستعمل إسم الفاعل الذي هو دال على الثبات. الكوفيون يسمون إسم الفاعل الفعل الدائم لأن فيه معنى الدوام فاستعمل النصح الثابت في مقابل التهمة الثابتة واستعمل النصح المتغير المتطور في مقابل الصفة المتغيرة المتحولة العارضة فهناك مناسبة في استعمال هذا اللفظ ولذلك العلماء ناصح لا تستقيم في المكان السابق وكلمة أنصح لا تستقيم في هذا المكان. في دقة التعبير لا تستقيم لأن هناك لما استعملوا الشيء العارض ينبغي أن تجيبهم بشيء عارض وهنا لما استعملوا الشيء الثابت ينبغي أن تجيبهم بشيء ثابت (أنصح) فيه تجدد واستمرار لكن فيه نوع من التحول والتغير ليس فيه هذا الثبات، ناصح تقابل السفاهة إتهامه بالسفه ولم يكتف بهذا (كلمة ناصح) وإنما الجملة الأخيرة في الآية(وأنا) يريد أن يزيل عن نفسه هذه التهمة، لاصقة هذه السفاهة وإنما قال (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (نفس اللفظة التي قيلت عن نوح ولكن زاد عليها (وأنا) إستعمال المتكلم (لكم) وليس لغيركم كأنه تخصيص (وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) نوع من التأكيد باستعمال الجملة الإسمية واستعمال ضمير المتكلم ومجيء هذه اللام التي هي للإيصال يعني أنا لكم، لأجلكم، أنا من أجلكم، هذا اللفظ يناسب ما تقدم وذلك اللفظ يناسب ما تقدم.

↔الآية ٧٩ (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُلَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) والآية ٩٣ (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)الكلام فيهما بصيغة الماضي فلا موضع لإسم الفاعل فيهما ولذا فهما ليسا مما يقابل الآية ٦٨.

 لمسات بيانيه

آية (٦٩):

*ما الفرق البيانى بين بسطة وبصطة؟(د.فاضل السامرائى)

عندنا توسيع مساحة المعنى في اللغة العربية ليس فقط مساحة معنى واسعة وإنما نوسعها أيضاً توسيع المساحة مثل الذكر والحذف (توفاهم وتتوفاهم) ليس من قبيل الرفاهية اللغوية وإنما له سبب مقصود.

الإبدال يتضرعون ويضرعون، إبدال التاء ضاد أصلها تضرع اتضرغ، يصّدق يتصدق. حتى العجيب التوسع مثل بسطة وبصطة (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ )(٢٤٧) البقرة، بالسين
و(وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) (٦٩) الأعراف، بالصاد،
?هذا واحد وهؤلاء قوم، هي أصلها بالسين وأحياناً تبدل ?والصاد أظهر وأقوى كما يقول النحاة، هذا لقوم وهذا لواحد فقال بسطة وبصطة، (اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ (٢٦) الرعد، لما ذكر الرزق قال يبسط وقال (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ) (٢٤٥) البقرة.

 لمسات بيانيه

آيه٧٠:

* (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا )

لعل سائلاً يسأل ألا يصح أن يكتفي بقوله “ونذر ما يعبد آباؤنا” دون (كان)؟
وكيف يمكن الجمع بين الماضي والحاضر في الآية؟

?لتدل على أن عبادتهم أمر قديم مضت عليه العصور.
والتعبير بالفعل كونه مضارعاً في قوله (نعْبُدُ) ليدل على أن ذلك متكرر من آبائهم ومتجدد منهم.

 لمسات بيانيه

آية (٧١):

*ورتل القرآن ترتيلا ً:

 (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ )
تأمل التقديم والتأخير في الآية، فكلاهما يدل على بلاغة كلام الله تعالى.
? فقدّم(عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ)
للاهتمام بتعجيل ذكر المغضوب والغاضب إيقاظاً لبصائرهم لعلهم يبادرون بالتوبة.
? وأخر الغضب عن الرجس لأن الرجس هو خبث نفوسهم قد دلّ على أن الله فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضلال أمراً جلياً. فدل ذلك على أن الله غضب عليهم لما وقع منهم من فسق ورجس.
? وقبل ذلك كله تجيء كلمة(قد) لتؤذن بتقريب زمن الماضي من الحال مثل قولك (قد قامت الصلاة).

 لمسات بيانيه

آية (٧١):

*  ما الفرق بين (مانزل الله بها  من سلطان)الأعراف ٧١

وبين(ماأنزل الله بهامن سلطان)
(د.فاضل  السامرائى)

أنزل ونزّل قسم غير قليل يفرق بينهما أنه نزّل تفيد التدرج والتكرار وأنزل عامة
لكن الذي يبدو أن الفرق بين نزّل وأنزل أنه:
◀ نزّل تفيد الاهتمام نظير وصى وأوصى وكرّم وأكرم ففي المواطن التي فيها توكيد واهتمام بالسياق يأتي بـ (نزّل) والتي دونها يأتي بـ (أنزل). نضرب أمثلة:
?قال تعالى في الأعراف
(قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (٧١))
?وقال في يوسف:
(مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٠))
?وقال في النجم :
(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)).

◀ننظر السياق في الأعراف فيها محاورة شديدة ، فيها تهديد، كلام شديد من أولئك كيف تتركنا نترك آلهتنا ونعبد الله فقال (نزّل).

◀في سورة يوسف  لم يردّ عليه السجينان وليس فيها تهديد إذن الموقف يختلف عن آية سورة الأعراف فقال(أنزل)

◀في النجم: لم يردّوا عليه ولم يكن هنالك محاورة ولا تهديد،

إذن الأشد (نزّل)، هذا أمر. إذن نزّل آكد وأقوى في موطن الاهتمام أشد من أنزل.

العمل بالآيات:

– بلِّغ اليوم -وبأسلوب حسن- دعوة الله عز وجل تجاه منكر أو فساد رأيته،
﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾
– اجلس مع نفسك ساعة تتذكر فيها آلاء الله تعالى عليك، وعظيم نعمائه،
﴿ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
– سل الله تعالى أن ينجي المؤمنين المستضعفين في زماننا برحمته، وأن يقطع دابر أعداء الدين بقدرته، ﴿ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴾

IMG-20160211-WA0000

IMG-20160211-WA0005 IMG-20160211-WA0003 IMG-20160211-WA0007 IMG-20160211-WA0009 IMG-20160211-WA0011
—————————————–

تفسير مبسط للوجه (10)

IMG-20160214-WA0018

آيه ٧٤:

أخذ نبي الله صالح يُذكِّرهم بنعم الله عليهم، فقال: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ ﴾ أي تَخْلُفون – في الأرض – مَن قبلكم، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ هلاك قبيلة ﴿ عَادٍ ﴾
﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني وأنزلكم في هذه الأرض الطيبة، ومَكَّن لكم فيها، فأصبحتم ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا ﴾: أي تبنون في سهولها – (وهي الأراضي السهلة المستوية التي ليست بجبال) – بيوتاً ضخمة تسكنونها في الصيف،
﴿ وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ﴾:
يعني وتنحتون مِن جبالها بيوتًا أخرى تسكنونها في الشتاء، لأنها أحْصَن وأبقى وأدفأ،
﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ ﴾: أي فاذكروا نِعَمَ الله عليكم، واشكروهُ تعالى بعبادتهِ وحده، ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾: يعني ولا تَسْعَوا في الأرض بالإفساد.

الآية ٧٧:

﴿ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ﴾: أي فذَبحوا الناقة – استخفافاً منهم بوعيد صالح، ﴿ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾
يعني واستكبروا عن الامتثال لأمر ربهم، ﴿ وَقَالُوا ﴾ على سبيل الاستهزاء واستبعاد العذاب: ﴿ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾: يعني إن كنتَ مِن رسل اللهِ كما تقول

آيه ٧٨:

﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾: أي فأخذَت الذين كفروا الزلزلةُ الشديدة التي خلعتْ قلوبهم، وذلك مِن شدة الصيحة التي صاحها المَلَك ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ﴾ أي في بلدهم
﴿ جَاثِمِينَ ﴾: يعني رُكَبهم ملتصقة بالأرض، هالكينَ لم يُفْلِت منهم أحد.

  الآية ٧٩:

﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾: أي فانصرف صالح عن قومه – حينَ حَلَّ بهم الهلاك – ثم نظر إليهم وهم هَلكَى، ﴿ وَقَالَ ﴾ مُتحسراً على حالهم: ﴿ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ﴾ ﴿ وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾: أي وبَذَلْت لكم كل جهدي في النُصح، ﴿ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ فرددتم قولهم، وأطعتم كل شيطانٍ رجيم.

 ويُلاحَظ أن الله تعالى ذكر جُملة: (رسالات ربي) في جميع القصص الماضية، إلا في قصة صالح عليه السلام، فإنه قال: (رسالة ربي)، ولَعَلّ الحكمة من ذلك – واللهُ أعلم – أن المقصود بكلمة (الرسالات) هي الأوامر والنواهي التي أَمَروا قومهم أن يفعلوها بعد التوحيد، لأنّ كل أمر هو رسالة، إلا في قصة صالح، فإنه قد حذرهم – في هذه السورة – من قتل الناقة فقط، فصارت كأنها رسالة واحدة.

الآية ٨٠:

﴿ وَلُوطًا ﴾: أي واذكر – أيها الرسول – لوطًا عليه السلام
﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾: يعني أتفعلون هذه الفعلة المنكرة التي بَلغتْ نهاية القبح والتي ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾: أي ما فعلها أحدٌ قبلكم من المخلوقين؟

الآيه ٨١:

﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ﴾ تاركينَ ما أحَلَّه اللهُ لكم مِن نسائكم، ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ في المعاصي، لِتجاوُزكم لحدود اللهِ تعالى، إذ الإسرافُ لا يَقف صاحبه عند حَدّ.

 لمسات بيانيه

آية (78):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)) حقيقة الأخذ تناول الشيء باليد. والرجفة اضطراب الأرض وارتجاجها. إذن هذه الآية تطرق سمعك وتُعمل خيالك بصورة حية مستعادة شاخصة تزخر بالحياة والحركة. يتحول الزلزال أو الصاعقة فيها إلى رجل يتلقف بيديه جميع المشركين من قوم صالح
لتعبر في منتهاها عن شدة إلإهلاك الله لهم والإحاطة بهم إذ لا يفلت من قبضة عذابه أحد

 لمسات بيانيه

آية (74):

*(وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) الحجر) (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) الشعراء) ومرة ينحتون الجبال (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا (74) الأعراف)؟ فمتى نستخدم (من) ومتى لا نستخدمها؟
(د.فاضل السامرائى)

?نقرأ الآيتين إحداهما في الأعراف والأخرى في الشعراء، ◀قال في الأعراف (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)) هؤلاء قوم صالح
◀ في الشعراء قال (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150))

?نلاحظ في الأعراف مذكور فيها التوسع في العمران (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا)

?بينما في الشعراء الكلام عن الزرع وليس عن البناء، الكلام يدل على الزراعة أكثر (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148))
إذن في الأعراف السياق في العمران أكثر وفي الشعراء السياق في الزراعة
فلما كان السياق في الأعراف في العمران ذكر (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) ذكر القصور وقال (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) كأنها كل الجبال ينحتونها بيوتاً فتصير كثرة

بينما لما كان السياق في الشعراء عن الزراعة قال (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)) صار أقل (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ) أقل من (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا)
لذلك قال في الأعراف
(فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74))
?إذن التوسع في العمران في الأعراف أكثر فلما كان التوسع في العمران أكثر جاء بما يدل على التوسع قال (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) ولما لم يكن السياق في التوسع في العمران قال (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)).

 لمسات  بيانيه

* لماذا جاء في سورة الأعراف قوله تعالى (وأبلغكم رسالة ربي) في قصة سيدنا صالح وجاءت (وأبلغكم رسالات ربي) مع باقي الرسل؟(د.حسام النعيمى)

◀نلاحظ الآية الأولى في قصة صالح (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79))
جاءت(رسالة) بالإفراد نجد أن الكلام في قوله تعالى
(هذه ناقة الله لكم آية) إذن هناك معجزة وهي الناقة
(فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) إذن هذا تحذير: رسالة الله عز وجل بشأن هذه الناقة إلى قوم صالح أنه إذا مسستموها بسوء سيأخذكم عذاب أليم. إذن الكلام ليس عن الرسالة التي هي الشريعة والدين وإنما على المعجزة أن هذا المخلوق لا تمسوه بسوء. ⏪المقصود بالرسالة هو التحذير من قتل الناقة هذه هي الرسالة (أحذّركم من أن تقتلوا الناقة) هم قتلوها فإذن وقع عليهم العذاب. إذن هي ليست الرسالة السماوية ولو كانت الرسالة السمواية سيقول رسالات كما جاءت عند الأنبياء الآخرين بمعنى مفردات الأوامر والنواهي لأن كل أمر هو رسالة. أما هنا القضية تتعلق برسالة واحدة بقضية واحدة: عدم قتل الناقة، (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)) مسألة واضحة: حذّرتكم ونصحت لكم ألا تتعرضوا لها بسوء إذن هذه هي الرسالة.

◀لكن لما ننتقل إلى بقية الرسالات وبقية ذكر الرسل الآخرين: الآيات على ألسنة أنبياء: الأولى على لسان نوح ، هم قالوا (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)) فقال (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)) أي هذه الجزئيات، والثاني على لسان هود (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)) والثالثة على لسان شعيب (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)).
عندما يستعمل كلمة رسالات يعني الدين أو الشريعة بهذه الجزئيات المتعددة والمتفرقة. والرسالة كانت لقضية واحدة لتحذير واحد.

 لمسات بيانيه

آية (٧٨):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) حقيقة الأخذ تناول الشيء باليد. والرجفة اضطراب الأرض وارتجاجها. إذن هذه الآية تطرق سمعك وتُعمل خيالك بصورة حية مستعادة شاخصة تزخر بالحياة والحركة. يتحول الزلزال أو الصاعقة فيها إلى رجل يتلقف بيديه جميع المشركين من قوم صالح
لتعبر في منتهاها عن شدة إلإهلاك الله لهم والإحاطة بهم إذ لا يفلت من قبضة عذابه أحد

 لمسات  بيانيه

آية  (٧٩):

 *في سورة الأعراف في قصص الأنبياء ورد ومعظم الأنبياء قالوا (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) ما عدا سيدنا صالح قال (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي (79)) بالمفرد فما دلالة ذلك؟(د.فاضل السامرائى)

?رسالة مفرد ورسالات جمع. نقرأ القصتين وننظر:
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77))
◀  تكلم عن الآية إلى أن قال (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)).
? في قصة مدين وشعيب (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ◀نفس النص الذي قاله صالح لقومه
(قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)) إلى أن قال (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)).

صالح لم يقل إلا عبارة واحدة (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) وجاء بالناقة فقط

أما شعيب فقال الآية نفسها (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ثم (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا)
هذه رسالات وليست رسالة واحدة، أما هناك أمر واحد. لا بد أن تكون هناك مجانسة بين الكلمات ومقتضى الحال ولا تقال الكلمات هكذا ولا يمكن أن يقال في قوم صالح رسالات.

التوجيهات:

?النعم تزول بالمعاصي فابتعد عنها، ﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

?تعلم ممن هم أقل منك حالاً، ولا تترفع عن قبول الحق ممن هو دونك، ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ﴾

? من علامات قرب الهلاك كره الناس للنصح والناصحين إذا خالفوا هوى أنفسهم، ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾

 العمل بالآيات:

 قل: «اللهم حبب إليَّ الإيمان وزينه في قلبي، وكرِّه إليَّ الكفر والفسوق والعصيان, واجعلني من الراشدين»،
﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾

 أرسل رســـــالة عن الكبر، وأنه من أسباب الشرك والكفر
﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ﴾

 تذكر شخصا نصحك واشكره وادعُ له، ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ﴾

 الآية 85:
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ ﴾: يعني ولقد أرسلنا إلى قبيلة “مَدْيَن”
﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾
فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾
يستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾
فأخلِصوا له العبادة ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: أي قد جاءكم برهانٌ من ربكم على صِدْق ما أدعوكم إليه، – (ومِن الجائز أن يكونَ اللهُ تعالى قد أعطى نَبيّهُ شعيباً آية، ولكنه لم يَذكرها في القرآن لِحكمةٍ يَعلمها سبحانه، والراجح أنّها حُجَّة قوية قهَرهم بها ولم يتمكنوا مِن رَدّها) -، فبما أنكم قد أيْقنتم أنّ ما آمُرُكم به وأنهاكم عنه هو مِن عند الله تعالى، إذاً ﴿ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ﴾: يعني فأدُّوا للناس حقوقهم بإيفاء الكَيْل والميزان بالعدل، ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾: يعني ولا تُنقِصوا الناسَ حقوقهم فتظلموهم،
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾
بالظلم والشر والفساد، وذلك ﴿ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ بشرائع الأنبياء السابقين عليهم السلام
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الذي دعوتكم إليه هو ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في دُنياكم وأُخراكم ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
يعني إن كنتم مُصَدقِيَّ فيما دعوتُكُم إليه، عاملينَ بشرع الله تعالى.

 الآية 86:
﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾: أي ولا تقعدوا بكل طريقٍ – من الطرق التي يَكثر سلوكها – فتتوَعَّدون الناس بالقتل (إن لم يعطوكم من أموالهم وأمتعتهم)، ﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ ﴾: أي وتتوعدون المارَّة بالعذاب إنْ هُم ذهبوا إلى النبي شعيب وجلسوا إليه، فتصدوهم بذلك عن الإيمان والاستقامة،
﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾: يعني وتطلبون أن تكون سبيل الله معْوَجَّة حتى لا يَسلكها أحد، وحتى تجعلوا الشريعة تميل مع شهواتكم فتخدم أغراضكم، وتنفِّروا الناس من اتِّباعها،
﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ نعمة الله عليكم
﴿ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ أي كَثَّرَ عددكم بما أنعم عليكم مِن كثرة النَسل، وإدرار الرزق، والعافية من الأوبئة والأمراض المُقلِّلة لكم، والعافية من تسليط الأعداء عليكم، والعافية من الفُرقة في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، فأصبحتم – بفضله – أقوياء أعِزَّاء، لكم مَكانة بين باقي الشعوب،
﴿ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ في الأرض، وما حَلَّ بهم من الهلاك والدمار، فاحذروا أن تكونوا مثلهم.

 الآية 87:
﴿ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ ﴾: أي جماعة ﴿ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ ﴿ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ بذلك، وبهذا كنا متخاصمين نحتاجُ إلى مَن يَحكم بيننا، إذاً ﴿ فَاصْبِرُوا ﴾:
أي فانتظروا أيها المكذبون
﴿ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ﴾

 بالقضاء الفاصل، حين يَحلُّ عليكم عذابه الذي أنذرتُكُم به ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ بين عباده، فيُنجي مَن على الحق ويُهلِك مَن على الباطل.

IMG-20160214-WA0016 IMG-20160214-WA0014 IMG-20160214-WA0012 IMG-20160214-WA0010 IMG-20160214-WA0008 IMG-20160214-WA0006 IMG-20160214-WA0004

——————————————

 تفسير مبسط للوجه ١١

IMG-20160216-WA0000
ص١٦١:

 الآية 82:
﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾: أي وما كان جواب قوم لوط حين أنكَرَ عليهم فِعلهم القبيح ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ﴾: أي أخرِجوا لوطًا وأهله ومَن تَبعَهُ من بلادكم،
﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾: يعني إنهم أناسٌ يتنزهون عَمَّا نفعل.

 الآية 83:
﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ﴾: أي فأنجى اللهُ لوطًا وأهله من العذاب، حيثُ أمره بمغادرة ذلك البلد
﴿ إِلَّا امْرَأَتَهُ ﴾ فإنها ﴿ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴾: يعني من الباقين في العذاب.

 الآية 84:
﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ﴾: أي وعذَّبنا الكفار من قوم لوط بأن أنزلنا عليهم من السماء مطرًا من الحجارة، وقلبنا بلادهم، فجعلنا عالِيَها سافِلَها،
﴿ فَانْظُرْ ﴾ أيها الرسول ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾: يعني انظر كيف كان آخرُ أمر الذين اجترؤوا على معاصي اللهِ وكَذَّبوا رسله.

ورغم أنه كان من المتوقع أن يقول تعالى: ﴿ كَيْفَ كَانَت عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾، يعني يذكر كلمة: (كانت) بصيغة المُؤنث، لأنّ كلمة (عاقبة) مؤنثة، إلا أنه قال: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾

فجاءت كلمة: (كان) بصيغة المُذكر، فما السبب

والجواب أن كلمة (عاقبة) ليست مؤنثاً حقيقياً، بمعنى أنه يجوز أن تأتي مع فِعلٍ مُذَكَّر، مِثل قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفسِدين ﴾، كما يجوز أن تأتي مع فِعلٍ مُؤنَّث، مثل قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾، وكذلك كل ما كان تأنيثه غير حقيقي، فإنه يجوز أن يأتي بصيغة المُذَكَّر، مثل قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

 لمسات  بيانيه

آيه ٨٤:

ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا (84))

 لقد ضمن الله سبحانه وتعالى هذه الآية ما من شأنه أن يلقي في نفس السامع العظمة والرهبة لذات الله.

فانظر إلى الفعل أمطرنا أسنده إلى ضمير الجمع جرياً على التعظيم والإجلال لذاته جل جلاله.
ثم نكّر (مطراً) للتعظيم والتعجب أي مطراً عجيباً من شأنه أن يكون مهلكاً للقرى.

وجاء بالظرف (عليهم)
للإستعلاء المفضي إلى التمكن والأخذ فالحرف (على) يفيد التمكن من الشيء خلافاً لـ (في) التي تفيد الظرفية. فلو قال وأمطرنا فيهم مطراً لما أفاد إهلاكهم إهلاك تمكّن.

والآية في مجملها محمولة على الاستعارة التخيلية إذا علمت أن ما أصاب القوم هو الجمر والكبريت وليس ماء نازلاً من السحاب وقرينة ذلك كلمة (وَأَمْطَرْنَا) التي تؤذن بنزول شيء من السماء يشبه المطر وليس بمطر وإنما للعذاب.

 لمسات بيانيه

آية (83):

*ما الفرق بين قوله تعالى في امرأة لوط (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَالْغَابِرِينَ (60) الحجر) (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَه
ُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) النمل)
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) الأعراف)؟(د.حسام النعيمى)

◀ في قوله تعالى في سورة الحجر الكلام كان على لسان الملائكة (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)) ضيف إبراهيم الملائكة (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)) الجو العام جو وجل وخوف من إبراهيم وتشكك هو ليس شاكاً في الله سبحانه وتعالى ولكن الجو الذي جاء فيه الملائكة كان في وجل ورهبة، قالوا (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53)) قال (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)) إذن عنده نوع من التشكك. إذن مسألة وجل وتشكك. (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)) لا تيأس من رحمة الله (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56))  (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60))

 لاحظ التأكيدات هو يحتاج لمؤكدات لأنه وجل وشاك من الملائكة. (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)) تأكيد بإنّ وباللام.

كلام الملائكة لاحظ  كلمة(قدرنا) هم لا يقدرون ولكن لأنهم وسيلة تنفيذ قدر الله سبحانه وتعالى رخصوا لأنفسهم أن يقولوا قدرنا ولكن ما قالوا قدرناها لم يربطوا الضمير بالتقدير، بأنفسهم لذلك أبعدوها مع وجود إنّ المؤكدة. فإذن كلام الملائكة يحتاج إلى تأكيد وإبتعد ضمير المفعول به في الأصل. الأصل هي قدرنا لكن أدخلوا إنّ فأبعدوها عن التقدير.

◀ الآية الثانية هي من كلام الله سبحانه وتعالى المباشر في سورة النمل (فما كان جواب قومه فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) النمل) (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) خبر، (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ)

ما قال قدرنا إنها ، ما أبعدها وما احتاج إلى تأكيدات لأن الله سبحانه وتعالى يخبرنا بأمر: بأن قوم لوط أجابوا بهذه الإجابة فالله سبحانه وتعالى أنجاه وأهله إلا امرأته قدرها رب العزة من الغابرين.

 وأُنظر كيف ربط الضمير بالفعل مباشرة ما أبعده (قدرناها) لأن هذا قدره سبحانه وتعالى فما إحتاج إلى إبعاده. الغابرين قالوا بمعنى الباقين الهالكين الذين بقوا في الهلاك. نهاية الآية تفسر لنا كلمة كانت. لما قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) )انتهى الكلام على ذكر الأمم، كان آخر شيء في ذكر الأمم يعني لم تكن هناك حكاية ورواية لأمور وإنما رواية لهذه المسألة. النهاية كانت (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)) لم يذكر أمة أخرى وراءها. هو لا يتحدث حديثاً تاريخياً متواصلاً وإنما إنقطع الكلام هنا.

◀ لما ننظر في الآية الثالثة أيضاً (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) الأعراف). الله سبحانه وتعالى يحكي لنا ما حدث (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83))

هناك قدرناها من الغابرين وانتهى الكلام على الأمم. لكن هنا الكلام كأنه كلام تاريخي والكلام التاريخي يصلح معه (كان) لأن ذكر أشياء رواية فقال (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) )استعمل (كان) ثم قال (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) الآيات مستمرة في الحديث عن جانب تاريخي وعندما يكون الكلام عن جانب تاريخي يستعمل (كان) لما يكون حديث تاريخي وإنما قدر الله عز وجل يستعمل كلمة قدرنا والله سبحانه وتعالى أعلم.

لمسات بيانيه

آية (82):

*(وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)) تدبر قوله تعالى (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) وهو حكاية لكلام المشركين في لوط. فحقيقة التطهر تكلّف الطهارة فلِمَ جاء الفعل على هذه الصيغة دون أن يقولوا إنهم أناس طاهرون؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

◀ إعلم أن القوم لما تمردوا على الفسوق كانوا يعدون الكمال منافراً لطباعهم فلا يطيقون معاشرة أهل الكمال ويذمون ما لهم من الكمالات فيسمونها ثِقلاً. ولذلك جاؤوا بهذا الفعل على صيغة التهكم والتصنع والتأمل وهو مع ذلك كله تهكم بلوط ومن معه من المؤمنين

 لمسات  بيانيه

* لماذا ترد أحيانا( أَخَاهُمْ ) مع شعيب عليه السلام وأحيانا لا ترد ؟(د.حسام النعيمى)

◀ مراجعة الآيات توصلنا إلى شيء أنه حيثما ذُكِرت الرسالة وأن شعيباً مرسل إلى قومه يقول أخوهم. يذكر الأخوّة عندما يتحدث عن الرسالة كأنما فيها إشارة إلى أن واجبه معهم ورعايته لهم هو أخوهم يريد لهم الخير.
◀  وإذا لم يذكر الرسالة لا يقل أخوهم. لاحظ الآيات هذه القاعدة العامة حيثما ذكر الإرسال قال (أخاهم) وفي غير ذلك ذكر الإسم مجرّداً.

الإرسال ذُكِر في ثلاثة مواضع كما ذكره محمد فؤاد عبد الباقي (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم):

?- (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) الأعراف).

?- (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) هود).

?- (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) العنكبوت) .

وفي ثمانية مواضع لم يُذكر الإرسال فذكر الإسم مجرّداًكما في :
[الأعراف:[٩٢،٩٠،٨٨ ]
[هود:٩٤،٩١،٨٧]
[الشعراء:١٧٧]

ليس في هذه المواضع كلام عن الرسالة فهنا هذه الآيات الثماني ليس فيها ذكر للرسالة فليس فيها ذكر للأخوّة وهذا مضطرد في القرآن. لما نجد شيئاً مضطرداً وهو يتنزل منجماً فهذا من دلائل النبوة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

متشابهات الأعراف مع
نفسها

IMG-20160216-WA0013 IMG-20160216-WA0012 IMG-20160216-WA0011 IMG-20160216-WA0010

 متشابهات الأعراف
مع غيرها:

IMG-20160216-WA0009 IMG-20160216-WA0008 IMG-20160216-WA0007 IMG-20160216-WA0006 IMG-20160216-WA0005 IMG-20160216-WA0004 IMG-20160216-WA0003

التوجيهات

 من عادة المجرمين والفاسقين أنهم يقلبون الحقائق؛ فيَذُمُّون الصالحين، ويمدحون المفسدين،﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾

  دين الله تعالى ليس فيه محاباة لأحد؛ فإن امرأة لوط لما عصت جعلها الله من المعذبين، ﴿فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ﴾

  التأمل في عاقبة المفسدين سببٌ رادع وزاجر لمن يفكر بالمعصية، ﴿ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾

 وقفه تدبريه:

﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾

وقول اللوطية: (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) [البروج: 8]،
وهكذا المشرك؛ إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد وأنه لا يشوبه بالإشراك،
وهكذا المبتدع إنما ينقم على السنيّ تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يَشُبها بآراء الرجال، ولا بشيء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه الله ورسوله من موافقة أهل الشرك والبدعة.

 العمل بالآيات:

?ذكِّّر بعض البائعين بما تراه مناسباً من الوسائل, بأهمية العدل في الميزان، ﴿ أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾

?نصح من يجلس في الشوارع لإيذاء الناس, ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ ﴾

———————————————-

 تفسير مبسط للوجه ١٢

IMG-20160218-WA0000
ص١٦٢

الآية ٨٨:

﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ – وهُم السادة والكُبَراء من قومه – الذين اتبعوا أهواءهم ولذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة، رَدُّوهُ واستكبروا عنه -، فقالوا لشعيب عليه السلام:
﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا ﴾ ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾: يعني إلاّ إذا دخلتم في ديننا، فحينئذٍ لن نُخرجكم، – (ويُحتمَل أن تكون هذه الجملة: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ يُراد بها أتْباع شعيب، إذ كانوا قبل إيمانهم على دين قومهم) -، فـ ﴿ قَالَ ﴾ شُعيب – متعجبًا من قولهم -: ﴿ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾: يعني أنتَّبعكم على دينكم ومِلَّتكم الباطلة، ولو كنا كارهينَ لها، عالمينَ بِبُطلانها؟،

الآيه ٨٩:

ثم قال لهم: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ﴾: أي قد اختلقنا على الله الكذبَ إن عُدْنا إلى مِلَّتكم الباطلة بعد أن أنقذنا اللهُ من الوقوع فيها،
﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ﴾: يعني وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ﴾ –

 وقد قال شعيب هذا الاستثناء تأدُبَّاً مع الله تعالى بتفويض الأمر إلى مشيئته، ولأنَّ عودة غيره مِن أُمَّتِهِ إلى الشِرك مُمكِنة، وأمّا عودته هو فمستحيلة -، ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ فإذا كان سبحانه قد عَلِمَ أننا سَنُرَدُّ على أعقابنا، فسوف يكونُ ما عَلِمَه، (وهذا غاية الأدب مع الله تعالى).

ثم بعد أن أعلمهم شعيب أن العودة إلى دينهم غير مُمكنة إلاّ في حال مشيئة اللهِ ذلك، وهذا مِمَّا لا يشاءُهُ اللهُ لأنبياءه، قال: ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ﴾: يعني على اللهِ وحده اعتمادنا في الثبات على دينه الحق، وفي حمايتنا مِن كَيدكم، ثم سأل ربه قائلاً: ﴿ رَبَّنَاافْتَحْ ﴾ أي احكم ﴿ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ﴾ ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ أي خير الحاكمين، وذلك بإحقاق الحق وإبطال الباطل.

 واعلم أن المقصود بـ (الكذب على الله) المذكور في قوله تعالى: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾
هو أن شعيباً أخبرهم أن الله تعالى قد أمرهم بعبادته وحده وترْك عبادة غيره، وأنه تعالى أرسله إليهم لينقذهم من الباطل الذي هم فيه، فإذا ارتدَّ شعيب ودخل في مِلَّة الشرك، كان مَوقفه مَوقف مَن كَذَبَ على الله تعالى بأنْ زعم أنَّ اللهَ قال كذا وكذا، واللهُ عَز وجل لم يقل ذلك.

الآية ٩١:

﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ أي الزلزلةُ الشديدة، وقد قال تعالى في سورة هود عن قوم مَدْيَن:
﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
الصَّيْحَةُ ﴾، وقال في سورة الشعراء عن أصحاب الأيْكة: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴾،

  ولِلجَمع بين أنواع العذاب السابقة، أنهم لمّا اجتمعوا تحت الظُلَّة (وهي سحابة أظَلَّتهم من شدّة الحر الذي أصابهم في هذا اليوم)، فلمّا استقروا تحتها زُلزلوا مِن تحتهم (وهي الرَجْفة)، ونزلتْ عليهم مِن الظُلَة صاعقة (وهي الصَيْحة) فأحرقتْهم، هذا إن قلنا بأنّ مَدْيَن وأصحاب الأيْكة هما أمَّة واحدة، وإن لم يكونوا أمَّة واحدة، فإن أصحاب الأيْكة قد أصابهم عذاب الظُلَّة، وأصحاب مَدْيَن قد أُصِيبوا بالرَجْفة مِن تحتهم، وبالصيحة مِن فوقهم ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾: أي فأصبحوا في بلدهم صَرْعَى ميتين،قد التصقتْ رُكَبهم بالأرض.

 الآية ٩٢:

﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ يعني كأنهم لم يُقيموا في ديارهم ولم يتمتعوا فيها زمناً طويلاً، حيث استؤصِلوا فلم يَبق لهم أثر، ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴾ في الدنيا والآخرة.

 الآية ٩٣:

﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾: أي فانصرف شعيب عن قومه – حين حَلَّ بهم الهلاك – ثم نظر إليهم وهم هَلكَى، ﴿ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ﴾ أي أبلغتكم ما أمرني ربي بإبلاغه مِن أمْره ونهْيه، ﴿ وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾ بالدخول في دين الله والإقلاع عَّمّا أنتم عليه، فلم تسمعوا ولم تطيعوا
﴿ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾: يعني فكيف أحزن على قومٍ جحدوا وحدانية الله وكَذَّبوا رسله؟

 الآية ٩٤:

 ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ يَدعوهم إلى عبادة اللهِ، وينهاهم عمَّا هُم فيه مِن الشِرك، فكذَّبه قومه ﴿ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ ﴾: يعني إلا أصَبْناهم بالفقر، ﴿ وَالضَّرَّاءِ ﴾: أي وأصَبْناهم بالأمراض وأنواع البَلايا، وذلك ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾: يعني وذلك حتى يتذللوا لنا بالدعاء ويرجعوا إلى الحق، لنصرف عنهم ذلك الابتلاء، فلم يفعلوا.

 الآيه ٩٥:

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ﴾
الحالةِ ﴿ السَّيِّئَةِ ﴾ التي أصابتهم: الحالةَ ﴿ الْحَسَنَةَ ﴾
فجعلنا بدل الفقر: الغنى، وبدل الخوف: الأمن، وبدل المرض: الصحة، ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾: يعني حتى أصبحوا في عافيةٍ في أبدانهم، وسَعَةٍ في أموالهم، وذلك إمهالاً لهم لعلهم يشكرون، فلم ينفع كل ذلك معهم، ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، ﴿ وَقَالُوا ﴾ هذه هي عادة الزمن في أهله: يومٌ خير ويومٌ شر، فـ ﴿ قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ مِن قبل، ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾: أي فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمِنون، لا يَخطر لهم الهلاك على بال.

 لمسات بيانيه

آية (94):

* ما هي اللمسات البيانية في الآيات المتشابهة (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) الأنعام) (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) الأعراف)؟(د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآيتين :

إذن هناك (لَعَلَّهُمْ
يَتَضَرَّعُونَ)

والآية الأخرى(لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).

بناء (يتفعّل) أطول من بناء يفّعل (خمسة مقاطع/ أربع مقاطع). إذن يتضرعون بناء أطول. في (يفّعّل يضّرّع) تضعيفان (تضعيف بالضاد وتضعيف بالراء)

وفي (يضّرعون) تضعيف واحد في الضاد هذا من حيث اللغة. في (يتفعّل) تفعّل هي للتدرج والحدوث شيئاً فشيئاً مثل تخطّى تمشّى تدرّج تجسّس فرق بين مشى وتمشى، ثم يقال يأتي للتكلف مثل بذل الجهد مثت تصبّر تحمّّل. (يفعّل) فيها مبالغة وتكثير (قطّع وكسّر) إذن أطول وأقل تدرج ومبالغة.

 قال (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ) (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) أمم أكثر من قرية فجاء بالبناء الأطول (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) ولما قال قرية قال (يَضَّرَّعُونَ)
فناسب البناء الأمم. ثم قال

(وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ) الإرسال إلى يقتضي التبليغ ولكن لا يقتضي المكث أرسلته إليه إرسالاً، (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) ظرفية وصار فيها تبليغ ومكث، أيُّ الأدعى إلى كثرة التضرع الماكث أو المبلّغ؟ الماكث أدعى لكثرة التضرع
(يَضَّرَّعُونَ) جاء بكثرة المبالغة لأن فيها مكث أما (يَتَضَرَّعُونَ) لم يقل وإنما البناء الطويل لأنه أمم كثيرة قال (يَتَضَرَّعُونَ)،(يَضَّرَّعُونَ) بناء أقل لأن هو على الأقل فيها مبالغة لأن فيها مكث فناسب كل واحدة.

 لمسات بيانيه

آية (88):

*قال تعالى (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا (88)) لقد آثر البيان القرآني أن يصف الملأ بالاستكبار دون الكفر مع أنه لم يحكِ هنا عن خطاب المستصعفين فهل لذلك الإيثار من عِلّة تدرج في بلاغة هذا البيان؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

نعم حتى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أنهم استضعفوا المؤمنين كما اقتضت قصة ثمود. واختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيباً بالإخرج أو الإكراه على اتباع دينهم. وذلك من فعل الجبارين أصحاب القوة فاختيار القرآن لألفاظه يجري على نظم يجعل الآية في وحدة معنوية لا تتعارض معانيها.

(لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (88))

 لاحظ قوله تعالى على لسان قوم شعيب كيف جعلوا عودة شعيب إلى ملة القوم بأسلوب القسم فقالوا
(لَتَعُودُنَّ) ولم يقولوا لنخرجنك من قريتنا أو تعودن في ملتنا وقد زاد هذا القسم الآية قوة لا تتأتى بدونه فتأمل كيف أرادوا ترديد الأمر بين الإخراج والعود في حيّز القسم لأنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة. وأنهم مصرون على إعادتهم إلى ملّتهم بتوكيد مؤذن بأنهم إن أبوا الخروج فإنهم سيُكرهون على العودة إلى ملة قومهم.

 لمسات بيانيه

آية (89):

*ما دلالة تقديم اللفظ على عامله فى القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى)

من هذا الباب تقديم المفعول به على فعله وتقديم الحال على فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الإختصاص فقولك (أنجدت خالداً) يفيد أنك أنجدت خالداً ولا يفيد أنك خصصت خالداً بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحداً معه. فإذا قلت: خالداً أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالداً بالنجدة وأنك لم تنجد أحداً آخر.

ومثل هذا التقديم في القرآن كثير: فمن ذلك قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) في سورة الفاتحة، فقد قدّم المفعول به إياك على فعل العبادة وعلى فعل الإستعانة دون فعل الهداية قلم يقل إيانا اهد كما قال في الأوليين، وسبب ذلك أن العبادة والإستعانة مختصتان بالله تعالى فلا يعبد أحد غيره ولا يستعان به. وهذ نظير قوله تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) الزمر ) وقوله (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) البقرة) فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى.

 ومثل التقديم على فعل الإستعانة قوله تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) ابراهيم) وقوله ( على الله توكلنا ربنا، الأعراف)وقوله (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) هود) قدم الجار والمجرور للدلالة على الإختصاص وذلك لأن التوكّل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده.

ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقل : إيانا اهد كما قال إياك نعبد وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الإختصاص إذ لا يصح أن تقول اللهم اهدني وحدي ولا تهد أحداً غيري أو خُصني بالهداية من دون الناس وهو كما تقول اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك زلم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق احداً غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه.

 لمسات بيانيه

آيه٩٦:

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96))

إنها صورة حسية متخيلة. وهذه الصورة تعمل عملها في الخيال لتترك في نفس السامع أو القارئ تذوقاً تاماً لمعناها فاستطاع البيان أن يستخدم سحر الإستعارة ليعبر عن إعطاء الخيرات لأهل الإيمان والتقوى

فيشبه البركات بالبيوت التي تفتح أبوابها وقرينة ذلك قوله (لَفَتَحْنَا) فتعدية فعل (فتح) إلى البركات هنا إستعارة مكنية للانتفاع من بيوت البركة المحتجزة في السماء والأرض.

 لمسات بيانيه

آية (96):

* ما اللمسة البيانية في قول “فتح الله لك” وليس “فتح الله عليك”؟(د.فاضل  السامرائى)

يقال فتح لك وفتح عليك لكن فتح عليك يكون من فوق قد يكون في الخير والشر

(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) الحجر)
(حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) المؤمنون)

(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) الأعراف)

(قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) البقرة)

 إذن فتح الله عليك تأتي في الخير والشر لكن تأتي من فوق.

 العمل بالآيات:

  أرسل رسالة، أو ذكِّر من حولك ببعض المصائب التي حلت بالمجتمع، وأنها لن ترفع إلا بالتوبة والتضرع إلى الله تعالى
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾

 قل: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»،

﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ ﴾

التوجيهات

? أسلوب المتكبرين واحد؛ وهو: الجدال بالباطل، فإن عجزوا لجئوا إلى التهديد،
﴿ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ﴾

? المتكبر والغافل إذا تعارضت شهوتهما مع الدين فإنهما يقدمان شهوتهما ومعصيتهما عليه، ﴿ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ﴾

? لا يغتر الإنسان بإيمانه وصلاحه؛ فإن الأنبياء والصالحين علموا أن ثباتهم على الدين إنما هو بمشيئة الله، لا من عند أنفسهم، ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ ﴾

الوقفات التدبرية:

١-﴿ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ ﴾
وهم الأشراف والكبراء منهم؛ الذين اتبعوا أهواءهم، ولَهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة ردوه، واستكبروا عنه.

?فالاغترار بالنعمة يؤدي إلى الكفر..

٢-﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ ﴾
إن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التدين؛ وهو تزكية النفس، وتكثير جند الحق، والصلاح المطلوب.

?فالتدين عن إكراه لا يأتي بثماره المرجوة،

٣-﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾

?وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي -كما أشارت إليه هذه الآية وغيرها من آي القرآن، وشهد به تاريخ الأديان- يُنبئ أن مراد الله تعالى من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب اجتماع الأصناف المختلفة، وأن أهل البوادي لا يخلون عن الانحياز إلى القرى والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة.

IMG-20160216-WA0003 IMG-20160216-WA0008 IMG-20160216-WA0009 IMG-20160216-WA0004 IMG-20160216-WA0005 IMG-20160216-WA0006 IMG-20160216-WA0007 IMG-20160218-WA0010 IMG-20160218-WA0008 IMG-20160218-WA0005 IMG-20160218-WA0003

———————————–

الوجه (١٣) من الاعراف

من ايه(٩٦↔١٠٤)

   ص١٦٣

IMG-20160221-WA0013

 تفسير مبسط للوجه
(١٣)ص ١٦٣

  الآيه ٩٦:

  ولو أنَّ أهل القرى صدَّقوا رسلهم واتبعوهم واجتنبوا ما نهاهم اللّه عنه، لفتح اللّه لهم أبواب الخير من كلِّ وجه، ولكنهم كذَّبوا، فعاقبهم اللّه بالعذاب المهلك بسبب كفرهم ومعاصيهم.

الآية ٩٧، والآية ٩٨:

﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ﴾: يعني أيَظُنّ أهل القرى أنهم في مَأمَن مِن أن يأتيهم عذابُ اللهِ ﴿ بَيَاتًا ﴾ أي ليلاً ﴿ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾؟ ﴿ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى ﴾ أي وقت الضحى
﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾: أي وهم غافلون متشاغلون بأمور دُنياهم؟
(وقد خَصَّ اللهُ هذين الوقتين بالذِكر، لأن الإنسان يكونُ فيهما أغْفَل ما يكونُ، فمَجيء العذاب فيهما أفظع وأشد).

 الآيه٩٩

﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ أي استدراجه تعالى لهم بإنزال النعم عليهم بكثرة، حتى إذا أمِنُوا مَكْرَهُ تعالى بهم، واستمروا في عِصيانهم، أخَذهم فجأة فخسروا الدنيا والآخرة، إذ إنه: ﴿ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.

وفي هذه الآية الكريمة
إشارة إلى أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمِناً على ما معه من الإيمان والعمل الصالح، بل لا يزالُ خائفاً أن يُبتلَى بفتنةٍ تهلكه في الدنيا والآخرة، وألاَّ يزال داعياً بقوله: (يا مُقلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك)، حتى يكون من الآمنين يوم القيامة
فقد قال تعالى حكايةً عن أصحاب الجنة: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا ﴿ مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾
، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقول اللهُ عز وجل: وَعِزَّتي لا أجمعُ على عبدي خوفَيْن ولا أجمعُ له أمْنَيْن، إذا أمِنَني في الدنيا: أخَفتُهُ يومَ القيامة، وإذا خافني في الدنيا: أمَّنْتُهُ يومَ القيامة) (انظر السلسلة الصحيحة ج: 6/ 355).

الآية ١٠٠:

﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا ﴾: يعني أوَلم يَتبَيَّن ويَتضح للذين سكنوا الأرض من بعد إهلاك أهلها السابقين – فساروا على نَهْجِِهم في الفسوق والعِصيان -، أولم يعلموا ﴿ أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي لَعَذبناهم بسبب ذنوبهم كما فعلنا بأسلافهم؟
،﴿ وَنَطْبَعُ ﴾: يعني وأننا لو نشاءُ لَختمنا ﴿ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ فلا يدخلها الحق، وذلك لأنّ اللّه تعالى قد نَبَّهَهُم فلم يَنتبهوا، وذكَّرهم بالآيات والعِبَر فلم يهتدوا، فلذلك يعاقبهم بالطَبْعِ على قلوبهم، فلا يصل إليها خير ﴿ فَهُمْ ﴾ حينئذٍ ﴿ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما يكونُ سبباً في إقامة الحُجَّة عليهم.

 الآية ١٠١:

﴿ تِلْكَ الْقُرَى ﴾ التي تَقَدَّم ذِكْرُها، وهي قرى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب
﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أيها الرسول ﴿ مِنْ أَنْبَائِهَا ﴾ ما يَحصُلُ به عِبرة للمعتبرين، وامتناعٌ للظالمين عن ظلمهم، ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ أي بالحُجَج الواضحة على صِدقهم، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ﴾: يعني فما كان اللهُ ليهديهم للإيمان بسبب تكذيبهم بهذه الآيات الواضحة عندما جاءتهم أول مرة (جزاءً لهم على رَدِّهم الحق)، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾، ﴿ كَذَلِكَ ﴾: يعني وكما ختم اللهُ على قلوب هؤلاء الكافرين المذكورين: ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم.

الآية ١٠٢:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾: يعني وما وَجَدْنا لأكثر الأمم الماضية مِن أمانةٍ ولا وفاء بالعهد الذي أخذه عليهم أنبيائهم بأن يعبدوا اللهَ وحده ويطيعوه، ﴿ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾: يعني وما وجدنا أكثرهم إلا خارجين عن طاعة الله وامتثال أوامره.

الآية ١٠٣:

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى ﴾: يعني ثم أرسلنا موسى من بعد هؤلاء الرسل، ﴿ بِآَيَاتِنَا ﴾: أي بمعجزاتنا الواضحة ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ أي فجحدوا بها ظُلمًا وعِنادًا،
﴿ فَانْظُرْ ﴾ أيها الرسول ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾: أي كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم، وتلك نهاية المفسدين.

الآية ١٠٤، والآية ١٠٥:

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي مِن خالق الخلق أجمعين، ومُدبِّر أحوالهم، وإني ﴿ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ ﴾: أي جديرٌ بي ألاَّ أقول ﴿ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾
و ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: أي قد جئتكم ببرهان وحُجَّة قاطعة مِن ربكم تدل على أني رسول الله إليكم ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾: يعني فأطلِق سَراح بني إسرائيل مِن أَسْرك، لأذهب بهم إلى أرض الشام – التي هي دار آبائهم – ليعبدوا اللهَ فيها.

 لمسات  بيانيه

آية (103):

*ما الفرق بين الآيتين (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) الأعراف)
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) يونس)؟ (د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآيتين:

لاحظ في آية الأعراف :
قدّم (بِآَيَاتِنَا)على قوله
(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)،
وفي يونس:
قدّم  (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)على قوله (بِآَيَاتِنَا)

طبعاً التقديم والتأخير معلوم أنه بحسب الأهمية في السياق وليس الأهمية للذات وإنما في السياق.
ابتداء لو طالب في البلاغة يقول أيّ الأهم من دون السياق حسب القاعدة التي يعرفها أنه يقدم الأهم نسأله أيّ الأهم في الأعراف؟ سيقول (بآياتنا) وأيّ الأهم في يونس؟ يقول (إلى فرعون وملئه)، إذن هذا حكم. هل هذا ينطبق على السياق؟ الحكم العام واضح تقديم ما هو أهم، هنا قدّم الآيات وهنا أخّرها.

 نلاحظ في آية الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون وملئه يعني ماذا فعل قال (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109))
ثم ذكر إلقاء العصى أمام السحرة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117))،

في يونس لم يذكر أنه ألقى العصى قال (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76)) ولم يذكر تفصيلاً لما حدث.

 حتى أمام السحرة هناك ذكر(فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)) أما في يونس فلم يقل وإنما قال (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81))

إذن لم يذكر آيات ولم يفصلها أما في الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون وأمام السحرة فأيّ الأهم؟ عندما يذكر الآيات قدّمها في الأعراف بينما في يونس أخّرها لأنه لم يذكرها حتى تلاءم السياق العام هذا قانون البلاغة فناسبت ما واحدة، لا يقال الكلام تغير أو الأسلوب اختلف، هذا كلام عام لكن ضعها في سياقها يتضح الأمر. في الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون والسحرة بينما في يونس لم يذكر الآيات.

آية (101):

 لمسات  بيانيه

* ما الفرق بين نسبة الرسل إلى الله تعالى في الآية (وَلَقَدْ جَاء تْهُم ْرُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ (32) المائدة)
ونسبتهم إليهم في الآية (وَلَقَدْ جَاءتْهُم ْرُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (101) الأعراف)؟(د.فاضل  السامرائى)

لما يذكر الأحكام التي تأتي عن الله تعالى يقول رسلنا ولما يتكلم بما يتعلق بموقف القرى من الرسل وما أصابهم من سوء يقول رسلهم. مثال (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) المائدة) هذه جاءت عن الله تعالى وذكر فيها أحكام.

 (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) (101 الأعراف) يتكلم عن موقف القوم من الرسل وكان عليهم أن ينتفعوا بالرسل.

 هم في الحالتين رسل لكن لما يتكلم عما جاء به عن الله تعالى يقول رسلنا ولما يذكر موقفهم وما أصابهم وكان يمكن الانتفاع بهم يذكر رسلهم أي جماعتهم.

 لمسات بيانيه

*(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99))

الكلام في الآيات مسوق للتعجب من حال أهل الكفر في أمنهم لمجيء البأس. ولكنه يطالعك تقييد هذا التعجب بوقتي البيات والضحى وبحالي النوم والتعب هل يعني ذلك أن عذاب الله وبأسه لا يجيء في غيرهما من الأوقات؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

في الواقع أن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما لأنهما وقتان للدعة والراحة. فالانسان يكره أن ينغِّص عليه وقت راحته فكيف إذا علم مسبقاً أن هذا الوقت هو مدعاة للعذاب والغضب؟ لا شك أنه سيجعله وقت راحة ولكنه خالٍ من المعصية.

 لمسات  بيانيه

قال تعالى (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100)) ألا تجد أن الأولى ظاهراً أن يكون الزمن بصيغة الماضي فيكون وطبعنا على قلوبهم بدل (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

بَيْد أن البيان الإلهي جاء بالفعل المضارع وما ذاك إلا ليدل على استمرار هذا الطبع وازدياده.

 ثم جاء بالفعل
(لاَ يَسْمَعُونَ)وكان السامع ينتظر أن يقال لا يعقلون فعدل القرآن عن المنتظَر وعبّر عن عدم تعقل الآيات وتدبرها بعدم السمع وهو أول درجات تلقي الآيات.

 فشبّه حال إعراضهم عن تدبر ما ينزل من الآيات بحال من لا يسمع فالآيات لا تصل إلى أسماعهم وبالتالي فلن تصل إلى قلوبهم من باب أولى.

 لمسات بيانيه

آية (97):

* ما الفرق بين الفاء والواو في بعض آيات القرآن العاطفة (الأعراف 97، 98، 99، 100)؟(د.فاضل  السامرائى)

الفاء كما هو معلوم للتعقيب مع السبب، التعقيب أي يأتي بعدها مباشرة، في عقب الشيء.

أما الواو فهي لمطلق الجمع ولا يدل على ترتيب أو تعقيب (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) الشورى). الفاء تفيد التعقيب وتأتي للسبب، سببية درس فنجح، الواو ليس فيها سبب. هذه أحد الأسباب درس فنجح.
الآية التي ذكرها السائل
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) الأعراف) جاء بالفاء، نلاحظ قبلها قال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96) الأعراف) أفأمن أهل القرى هذا سبب ولما قال (فأخذناهم)
ينبغي أن لا يأمن الإنسان الظالم.
الآية بعدها عطف (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) الأعراف) هذا عطف على سبب وليست الأولى سبباً للثانية، هذا أمر آخر مثلاً تقول لقد رأيت ما فعلت بفلان أفلا تتعظ؟ هذا سبب يدعوك للإتعاظ. لقد رأيت ما فعلت بفلان أفلا تتعظ أولا ترعو؟ هذا أمر آخر. بعد أن تأتي (أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) الأعراف) هذا على مجموع الأمرين السابقين.
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100) الأعراف) ليس فيها تعقيب فجاء بالواو.

الفاء تدل على التعقيب والترتيب والسبب فإذا كان ما قبلها سبب لما بعدها يؤتى بالفاء وإذا كان مجر العطف مطلقاً يأتي بالواو.

 لمسات  بيانيه

ما اللمسات البيانية في الآيات (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس)؟ (د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآيتين
في الأعراف (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف)
وفي يونس (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)) هناك قال(بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) وفي يونس (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ) واختلفت خاتمة الآيتين. أصل التركيب اللغوي خارج القرآن محتمل أن يقال كذب به أو كذبه واللغة تحتمل لكن ما سبب الاختلاف؟

لاحظنا أن الإطلاق هو سياق الآيات في الأعراف

 والتخصيص سياق الآيات في يونس.
قبل آية الأعراف قال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96))
☆لماذا كذبوا؟ لم يذكر فأطلق التكذيب كما أطلقه في الآية التي بعدها.
في يونس قال قبل الآية في الموطنين قال (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73))
☆ هنا حدد التكذيب بالآيات،

إذن السياق في الأعراف هو إطلاق وفي يونس تخصيص هذا واضح.

نأتي الآن بعد كل الآيتين قال في الأعراف (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)) وفي يونس قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75))

زاد هارون كما زاد (به) هناك لم يذكر هارون فلم يذكر به، هذه مناسبة أخرى لاحظ تخصيص السياق قبلها وبعدها.

 نلاحظ أمراً آخر قال في الأعراف (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف)
وفي يونس قال (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس) المعتدي قال (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ)

 يعني هم كفروا واعتدوا وهناك كفروا، أيُّ الأعمّ كفروا واعتدوا أو كفروا؟ كفروا أكثر لأن كفروا جزء من أولئك إذن الأعم والأكثر كفروا فلما قال كافرين وهو الأعم عمم وقال (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ (101) الأعراف) لم يذكر بماذا كذبوا، ناسب العموم. الآخرون كذبوا ورغم الكفر اعتدوا إذن صاروا أخص قسم من أولئك ليس كلهم كفروا واعتدوا، لم يعطف (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِين)َ (74) يونس) وهناك (كفروا واعتدوا) هم أنفسهم كفروا واعتدوا وأولئك كفروا أي الأكثر؟ كفروا، أي الأشكل والأعم؟ كفروا، إذن اعتدوا أخص فلما قال (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ) خصص (به) جاء بالتخصيص لما أطلق التكذيب به أو بغيره (بِمَا كَذَّبُواْ) قال (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) وهي أعمّ فناسب الكافرين (بِمَا كَذَّبُواْ)
وناسب المعتدين (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ)، فإذن من كل ناحية السياق وخاتمة الآية.

العمل بالآيات:

 ألق كلمة، أو أرسل رسالة تبيّن فيها أن حل مشاكل المجتمع إنما هو باالتعاون على الإيمان بوعد الله ووعيده، وباتقاء المعاصي، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ﴾

 اختر قرية أو قبيلة ذكرت قصتها في القرآن، واجمع قصتها من كامل القرآن لتتدبرها، ﴿ تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾

حافظ على الصلاة مع الجماعة؛ فهي من العهد الذي بينك وبين الله، ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ﴾

وقفات تدبريه

﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾

قال الحسن البصري -رحمه الله-: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِقٌ، وَجِل، خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.

 (ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون)
أشد العقوبات الدنيويه على المعرضين عن دين الله
أن الله تعالى يعاقبهم، ويطبع على قلوبهم، فيعلوها الران والدنس، حتى يختم عليها، فلا يدخلها حق، ولا يصل إليها خير، ولا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم.

 التوجيهات:

☄ إذا أمن المجتمع مكر الله فقد تهيأ للخسران واقترب منه،
﴿ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾

☄ ما يصيبك من بلاء ومحنة فهو بسبب ذنوبك وتقصيرك

﴿ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴾

☄ من أعظم المصائب أن يطبع على القلب؛ فلا يعي خيرا، ولا يكف عن شر
﴿ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾

IMG-20160221-WA0005 IMG-20160221-WA0003 IMG-20160221-WA0007 IMG-20160221-WA0009 IMG-20160221-WA0011 IMG-20160221-WA0000

———————————————————————————————-

الوجه (١٤) من الاعراف

من ايه(١٠٥↔١٢٠)

   ص١٦٤

 تفسير مبسط للوجه (١٤)
ص ١٦٤

IMG-20160223-WA0012

 الآيه ١٠٥:

﴿ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ ﴾: أي جديرٌ بي ألاَّ أقول ﴿ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ و ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: أي قد جئتكم ببرهان وحُجَّة قاطعة مِن ربكم تدل على أني رسول الله إليكم ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾: يعني فأطلِق سَراح بني إسرائيل مِن أَسْرك، لأذهب بهم إلى أرض الشام – التي هي دار آبائهم – ليعبدوا اللهَ فيها.

الآية ١٠٧، والآية١٠٨:

 ﴿ فَأَلْقَى ﴾ موسى ﴿ عَصَاهُ ﴾ ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾: أي فتحولت حيَّة عظيمة ظاهرة أمام الناس، ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾: أي وجذب يده من جيبه ﴿ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾: يعني فإذا هي بيضاء كاللبن مِن غير بَرَص، فإذا ردَّها إلى جيبه عادت إلى لونها الأول (أي سمراء كَسائر بدنه).

الآية ١٠٩،والآية١١٠:

﴿ قَالَ الْمَلَأُ ﴾ وهم الأشراف والسادة ﴿ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾:
﴿ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾: يعني إنّ هذا لَساحرٌ (يَخدع أعْيُن الناس حتى يُخَيَّلُ إليهم أن العصا ثعبان)، وهو واسعُ العلم بالسِحرِ ماهرٌ به، و﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ﴾ جميعًا، فقال لهم فرعون: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾: يعني فَبِماذا تُشيرون عليَّ أيها الملأ في أمر موسى؟ (وقد قال فرعون لفظ: (تأمروني) للملأ – مع أنه زعيمهم ورئيسهم – بسبب انهزامه معنوياً بعدما رأى وضوح آية موسى).

الآية١١١،والآية١١٢:

﴿ قَالُوا ﴾: أي قال مَن حَضَرَ مناظرة موسى مِن سادة قوم فرعون: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾: يعني أوقِفه عندك هو وأخاه، ولا تَعْجَل عليهما قبل اتخاذ ما يَلزم من الاحتياطات، ﴿ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾: أي وابعث في مدائن مصر وأقاليمها جنوداً لـ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾: أي ليجمعوا لك كل ساحر واسع العلم بالسحر، لِيُناظروا موسى.

الآية ١١٥،والآية١١٦:

﴿ قَالُوا ﴾: أي قال سحرة فرعون لموسى – على سبيل التكَبُّر وعدم المُبالاة -: ﴿ يَا مُوسَى ﴾ اختر ما شئت: ﴿ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ﴾ عصاك أولاً ﴿ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾ أولاً، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم موسى:
﴿ أَلْقُوا ﴾ أنتم، ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا ﴾
الحبال والعِصِيَّ: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ فخُيِّل إلى الأبصار أنَّ ما فعلوه حقيقة، ولم يكن إلا مجرد خيال،
﴿ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾: يعني وخوَّفوا الناسَ تخويفاً شديدًا، ﴿ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾: أي وجاءُوا بسحرٍ قوي كثير.

الآية ١١٧:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى ﴾ في ذلك الموقف العظيم – الذي فرَّقَ اللهُ فيه بين الحق والباطل – ﴿ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فألقاها ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾: يعني فإذا هي تبتلع الحبال والعِصِيّ التي ألقاها السَحَرة مِن أجل أن يُوهِموا الناس أنها حق وهي باطل.

الآية ١١٨،والآية١١٩:

﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ ﴾: أي فظهر الحق واتضح لمن حضر هذه المُناظَرة، وعُلِمَ حينها أنَّ موسى رسولٌ من الله يدعو إلى الحق، ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾: يعني وبَطُلَ الكذب الذي كان يعمله السَحَرة،
﴿ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ ﴾: أي فغُلِبَ فرعون وقومه في أرض المُناظَرة، ﴿ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾
يعني ورجعوا إلى ديارهم أذِلاَّء مغلوبين.

الآية١٢٠،والآية ١٢١:

﴿  وَأُلْقِيَ ﴾: يعني وَخَرَّ
﴿ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ للهِ جَلَّ وعَلا، لِمَا رأوْهُ مِن عظيمِ قدرته سبحانه

 لمسات  بيانيه

* ما الفرق بين البعث والإرسال (وأرسل في المدائن حاشرين) الأعراف و (وابعث في المدائن حاشرين) الشعراء؟

*د.فاضل  السامرائى :

بعث فيه معنى الإرسال تقول بعثت شخصاً فيه معنى الإرسال لكن في بعث أيضاً معاني غير الإرسال. الإرسال أن ترسل رسولاً تحمّله رسالة لطرف آخر. البعث قد يكون فيه إرسال وفيه معاني أخرى غير الإرسال أي فيه إرسال وزيادة. تبعث بارِك أي الجمل، تبعث الموتى ليس بمعنى إرسال ولكن يقيمهم، فيه إثارة وإقامتهم (إن للفتنة بعثات) أي إثارات، فيها تهييج. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (247) البقرة) أي أقامه منكم. ولذلك عموماً أن البعث يستعمل فيما هو أشد. نضرب مثالاً: (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) الشعراء) و (قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) الأعراف) والقصة قصة موسى في الحالتين: الملأ يقولون لفرعون وابعث في المدائن وأرسل في المدائن. ننظر لتكملة كل آي من الآيتين (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) الشعراء) صيغة مبالغة والثانية (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) الأعراف) ليس فيها مبالغة ساحر ليس فيها مبالغة بينما سحار فيها مبالغة لأنه في الشعراء المحاجة أشد مما كانت في الأعراف. لو قرأنا قصة موسى وفرعون في الشعراء المواجهة أشد من الأعراف وفرعون كان غاضباً فقالوا وابعث في المدائن أنت أرسل وأقم من المدينة من يهيّج عليه أيضاً هذا معنى (ابعث) هذا البعث، أن تبعث أي تهيّج، تقيم لذا قال بعدها (بكل سحار عليم) ولما قال أرسل قال (بكل ساحر عليم). فالبعث هو أشد وفيه حركة أما الإرسال فلا، فالبعث هو الإرسال وزيادة ولهذا قال تعالى (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) الإسراء)) فيه قوة وقسوة وعمل.

 لمسات بيانيه

آية  (114):

*ما الفرق بين (قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {114}) الأعراف و (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {42}) الشعراء ؟(د.فاضل السامرائى)

الآيتين في سياق قصة موسى عليه السلام وهناك جملة اختلافات في التعبير في القصة. في سورة الأعراف تبدأ القصة بأحداث طويلة ممتدة من مجيء موسى u إلى فرعون وحتى نهاية فرعون وفيها كلام طويل عن بني إسرائيل. أما في سورة الشعراء فالقصة تأخذ جانب من مقابلة موسى وفرعون وينتهي بنهاية فرعون. وفي كل قصة اختار التعبيرات المناسبة لكا منها. ونلاحظ أنه في سورة التفصيل في سرد الأحداث في سورة الشعراء أكثر والمواجهة والتحدي بين موسى وفرعون في الشعراء أكثر. وعليه فقد انطبعت كل التعبيرات بناء على هذين الأمرين.

نلاحظ أن التفصيل في سورة الشعراء أكثر وحصلت محاورة بين موسى u وفرعون أما في الأعراف فلم يرد ذلك. وفي الشعراء هدد فرعون موسى u بالسجن.ونلخّص الفرق بين الآيتين من الناحية التعبيرية:

ونأخذ كل فرق على حدة ونبدأ بقول الملأ في الأعراف
?فالقائلون في الأعراف هم الملأ والقائل في الشعراء هو فرعون وعندما كانت المحاجة عند فرعون وانقطع الحجة بقول (بسحره).
?والفرق بين أرسل وابعث في اللغة كبير: أرسل وفعل الإرسال تردد في الأعراف أكثر مما تردد في الشعراء (ورد 30 مرة في الأعراف و17 مرة في الشعراء) هذا من الناحية اللفظية . وفعل بعث هو بمعنى أرسل أو هيّج ويقال في اللغة بعث البعير أي هيّجه  وفي البعث إنهاض كما في قوله تعالى (ويوم يبعث من كل أمة شهيداً) (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) أي أقامه لكم وليست بنفس معنى أرسله. فلما كانت المواجهة والتحدّي في الشعراء أكثر جاء بلفظ بعث ولم يمتفي بالإرسال إنما المقصود أن ينهض من المدن من يواجه موسى ويهيجهم وهذا يناسب موقف المواجهة والتجدي والشدة. ?وكذلك في اختيار كلمة ساحر في الأعراف وسحّار في الشعراء لأنه عندما اشتد التحدي تطلّب المبالغة لذا يحتاج لكلّ سحّار وليس لساحر عادي فقط ونلاحظ في القرآن كله حيثما جاء فعل أرسل جاء معه ساحر وحيثما جاء فعل بعث جاء معه سحّار. وفي سورة الأعراف وردت كلمة السحر 7 مرات بينما وردت 10 مرات في سورة الشعراء مع العلم أن سورة الأعراف أطول من الشعراء.

?وكذلك قوله تعالى في سورة الأعراف (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) أما في سورة الشعراء فقال تعالى (قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) ففي الأعراف لم يقل (قالوا لفرعون) أما في الشعراء فقال (قالوا لفرعون) أي أصبح القول موجهاً إلى فرعون لأن التحدي أكبر في الشعراء وفيها تأكيد أيضاً بقوله (أئن لنا لأجراً)، أما في الأعراف (إن لنا لأجراً) المقام يقتضي الحذف لأن التفصيل أقلّ.

?وفي الشعراء قال تعالى (قال نعم إنكم إذاً لمن المقربين) فجاء بـ (إذاً) حرف جواب وجزاء وتأتي في مقام التفصيل لأن سياق القصة كلها في الشعراء فيها كثر من التفصيل بخلاف الأعراف.

?وفي الشعراء أقسموا بعزّة فرعون ولم يرد ذلك في الأعراف.

?وفي الشعراء قال (فألقوا حبالهم وعصيهم) ولم يرد ذلك في الأعراف.

وفي الشعراء ولأن التحدي كبير ألقي السحرة ساجدين فوراً ولم يرد ذلك في الأعراف.

?في الأعراف ورد (آمنتم به قبل أن آذن لكم ) و(فسوف تعلمون)الضمير يعود إلى الله تعالى هنا. أما في الشعراء (آمنتم به قبل أن آذن لكم) (فلسوف تعلمون) أي أنقدتم لموسى فالهاء تعود على موسىولهذا قال تعالى هنا (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) واللام في (فلسوف) هي في مقام التوكيد.

?وفي الأعراف قال (ثم لأصلبنّكم) وفي الشعراء (ولأصلبنكم) وهذا يدل على أنه أعطاهم مهلة في الأعراف ولم يعطهم مهلة في الشعراء.

?وفي الأعراف قال (إنا إلى ربنا منقلبون) أما في الشعراء (لا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون) دلالة عدم الإكتراث بتهديد فرعون مع شدة التوعد والوعيد ثم مناسبة لمقام التفصيل.

 لمسات  بيانيه

آية (107):

* ورد في القرآن الكريم ذكر عصى موسى عليه السلام بأوصاف مختلفة مرة جان ومرة ثعبان ومرة حية فما الفرق بينها؟(د.فاضل السامرائى)

?المعنى اللغوي للكلمات: ¤الجان هي الحية السريعة الحركة تتلوى بسرعة،
¤الثعبان هو الحية الطويلة الضخمة الذَّكَر،¤ الحية عامة تشمل الصغيرة والكبيرة فالثعبان حية والجان حية. الحية عامة تطلق على الجميع أما الثعبان فهو الذكر الضخم الطويل والجان هو الحية سريعة الحركة. ننظر كيف استعملها؟

?كلمة ثعبان لم يستعملها إلا أمام فرعون في مكانين (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) الأعراف) (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) الشعراء) وذلك لإخافة فرعون ثعبان ضخم يُدخل الرهبة في قلبه فذكر الثعبان فقط أمام فرعون.

?كلمة الجان ذكرها في موطن خوف موسى u في القصص (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)) وفي النمل (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) تتلوى وهي عصا واختيار كلمة جان في مقام الخوف (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) في القصص (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) عصا يلقيها تكون جان واختيار كلمة جان والإنسان يخاف من الجان والخوف والفزع. الجان دلالة الحركة السريعة، عصاه تهتز بسرعة. الجان يخيف أكثر من الثعبان فمع الخوف استعمل كلمة جان وسمي جان لأنه يستتر بمقابل الإنس (الإنس للظهور والجن للستر) هذا من حيث اللغة.

سؤال: كيف رآها وفيها معنى الإستتار؟

قد يظهر الجان بشكل أو يتشكل بشكل كما حدث مع أبو هريرة، قد يظهر الجان بشكل من الأشكال. كلمة (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) إضافة إلى أنها حية صغيرة تتلوى بسرعة إضافة إلى إيحائها اللغوي يُدخل الفزع لذلك استعملها في مكان (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ). كلمة ثعبان أو حية لا تعطي هذه الدلالة. أناس كثيرون يمسكون الحية أو الثعبان ويقتلونها وفي الهند يمسكون بالثعبان. كل كلمة جعلها تعالى في مكانها.

الحية جاءت في مكان واحد لبيان قدرة الله تعالى (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) طه) لم يقل أن موسى هرب أو فزع. ذكر ثعبان مع فرعون لأنه مخيف وذكر جان مع موسى لأنها تدخل الرعب على قلب موسى. ذكر ثعبان مرتين أمام فرعون وجان مرتين أمام موسى.

سؤال: لماذا لم يذكر جان مع فرعون؟

 لأنه مع الملأ الموجودين إذا كانوا مئات وتأتي بجان واحد ماذا يؤثر؟ لذا اختار ثعبان لأنه يحتاج إلى ضخامة وقوة.

 لمسات  بيانيه

*(يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)) إنه من المحال في ذلك الوقت أن يجتمع كل السحرة لدى فرعون فعلام دلت كلمة (كل) الغارقة في الاستغراق والشمول؟ ولِمَ كان الطلب بجمع السحرة كلهم لا بعضهم؟ ( ورتل القرآن ترتيلاً)

ما هذا الإستعمال إلا من باب البلاغة فكلمة (كل) مستعملة في معنى الكثرة فيصير المعنى بها أي بجمعٍ عظيم من السحرة يشبه أن يكون جميع ذلك النوع واستعمالها هنا يؤذن بشدة ما جاء به موسى على فرعون وملئه فطلبوا أن يجابه بأعظم مما جاء باجتماع كل السحرة لديهم.

 لمسات  بيانيه

آية (120):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)) تلقي الآية ظلالاً لا يمكن للسامع أن يتحصل عليها لو أنه قال “فسجدوا لرب العالمين” وإنما قال (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) فحقيقة الإلقاء تستعمل في سرعة الهوي إلى الأرض فيكون المعنى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم فسجدوا دون تريث ولا تردد. وساعد على ذلك بناء الفعل للمجهول لظهور الفاعل وهو “أنفسهم” فيصير المعنى “وألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين”  وخص السجود هنا لما فيه من هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض وذلك بقصد الإفراط في التعظيم.

التوجيهات

جهل المجتمع بالحق يؤد ي إلى سهولة الكذب عليهم،
﴿ قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ﴾

مكر الملأ وكذبهم إذ اتهموا موسى بأنه يريد الملك، وهو إنما أراد تعبيد الناس لله وحده، ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾

 مهما فشا الباطل وارتفع، واغتر به المتعجلون، فإن للحق يوما يظهر فيه ويعلو، ﴿فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ ﴿١١٩﴾
وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ﴾

 الوقفات التدبريه:

﴿وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ﴾

(قالوا) لفرعون (إن لنا لأجرًاً) أي: جُعلا ومالا.البغوي:2/135.

 أن من أهم صفات دعاة الضلال الحرص على الدنيا؟

﴿ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ﴿١١٣﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِين ﴾
قال فرعون للسحرة، إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابًا إن نحن غلبنا موسى؟ قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لممن أقرِّبه وأدْنيه مني. الطبري:13/26.

حرص الطغاة على تقريب أئمة الضلال واستشارتهم .

﴿ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ
﴿١١٥﴾ قَالَ أَلْقُوا۟﴾

قيل: الحكمة في هذا -والله أعلم- ليرى الناس صنيعَهم، ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم؛ جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له، والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان. ابن كثير:2/227.

ثمرة الأدب مع العلماء
والصالحين

﴿ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ﴿١١٥﴾ قَالَ أَلْقُوا۟ ۖ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾

تأدبوا مع موسى -عليه السلام- فكان ذلك سبب إيمانهم . القرطبي:9/296.

﴿وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ﴾

وأعظم من تبين له الحق العظيم: أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها.
السعدي:300.
لذا كان السحرة أسرع الناس إيماناً في هذه الحادثة؟

IMG-20160223-WA0004 IMG-20160223-WA0002 IMG-20160223-WA0000 IMG-20160223-WA0010 IMG-20160223-WA0006 IMG-20160223-WA0008

—————————————————

الوجه (١٥) من الاعراف

من ايه(١٢١↔١٣٠)

   ص١٦٥

IMG-20160225-WA0023

 تفسير مبسط للوجه(١٥)
ص١٦٥

الآيه١٢١،الآيه١٢٢:

﴿ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ – (واعلم أنهم قالوا هذه الجُملة حالَ سجودهم، إعلاماً منهم أنهم ما سجدوا لفرعون كما كانَ يفعل المصريون وَقْتَها، وإنّما سجدوا للهِ رب العالمين الذي لا يستحق العبادة غيره).

الآية١٢٣والآية١٢٤:

 ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ ﴾
للسحرة: ﴿ آَمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي صَدَّقتم موسى فيما دَعَا إليه ﴿ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ ﴾
بالإيمان به؟ ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ ﴾: يعني إنَّ هذا الذي قمتم بهِ مِن ادَّعاء الغَلَبة لموسى بعدما أظهرتم الحماس في بداية المُناظرة، ما هو إلا حِيلةٌ وتدبيرٌ خَفِيّ تَمَّ بينكم وبين موسى في المدينة – قبل الخروج إلى ساحة المُناظرة -، وذلك ﴿ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾: أي لِتُخرجوا المصريين من مصر بإبطال مُلكِهم، وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل لتستولوا على خيراتها (وقد قال هذا تمويهًا على الناس، لِئَلاَّ يَتَّبعوا السَحَرة في الإيمان بموسى).

☆ويُحتَمَل أن يكون المراد بإخراج أهلها: هو إخراج بعض الناس المقيمين فيها – وهم بنو إسرائيل – لأنّ موسى كانَ يُطالِب فرعونَ أن يُطلِق سراحهم ليَخرجوا معه إلى بيت المقدس، وبالتالي سوف يخرج معهم مَن آمن بموسى مِن أهل مصر، ليعبدوا اللهَ معه، والله أعلم.

ثم توَعَّدَ فرعونُ السَحَرة قائلاً: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أيها السَحَرة ما سَيَحِلُّ بكم من العذاب والهَوان، ﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾: أي بِقَطْع اليد اليُمنَى والرجل اليُسرى، أو اليد اليُسرى والرجل اليُمنى، ﴿ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ على جذوع النخل تعذيباً لكم وتخويفاً للناس.

الآية١٢٥والآية١٢٦:

 ﴿ قَالُوا ﴾: أي قال السَحَرة لفرعون: ﴿ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴾: أي قد تيَقَّنَّا بأننا إلى اللهِ راجعون، وأنّ عذابه أشدّ من عذابك، فلنصبرنَّ اليوم على عذابك لِننجو من عذاب اللهِ يوم القيامة، ﴿ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا ﴾: يعني ولستَ تكرهنا وتُنكِر علينا إلا بسبب إيماننا﴿ بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾
على يد موسى، والتي لا تقدر أنت على مِثلها ولا أحدٌ آخر سِوَى الله رب العالمين، ثم قالوا  مُتضرعين إلى ربهم لِيُصَبِّرهم حتى يتحملوا عذاب فرعون:
﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾: أي أنزِل على قلوبنا صبرًا وثباتاً عظيمًا، حتى نتحمل ما توَعَّدَنا به فرعون من العذاب، ولا نَرتدّ بعد إيماننا،﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾
يعني وتوفَّنا مُنقادينَ لأمرك، مُتَّبعينَ لرسولك موسى.

الآية ١٢٧:

 ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ لفرعون: ﴿ أَتَذَرُ ﴾:
يعني أتترك﴿ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾
من بني إسرائيل ﴿ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ ﴾: أي لِيُفسدوا الناسَ في أرض “مصر” بتغيير دينهم بعبادة الله وحده، وترْك عبادتك وعبادة آلهتك؟، (وقد قيل إنّ آلهة فرعون هي أصنام صِغار وضعها لِيَعبدها الناس، لِتقرّبهم إليه، وقال لهم: (أنا ربكم ورب هذه الآلهة)).

﴿ قَالَ ﴾ فرعون: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ الذكور ﴿ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾: يعني ونستبقي نساءهم وبناتهم أحياء للخدمة والإهانة﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾
يعني وإنَّا عالونَ عليهم بقهر المُلْك والسلطان.

الآية ١٢٨والآية١٢٩:

﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ ﴾ على فرعون وقومه
﴿ وَاصْبِرُوا ﴾ على ما أصابكم من المَكَاره في أنفسكم وأبنائكم، فـ ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ ﴾
كلها ﴿ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
يعني والعاقبة المحمودة لِمَن اتقى اللهَ تعالى، ففعل أوامره
واجتنب نواهيه، ﴿ قَالُوا ﴾: أي قال بنو إسرائيل لموسى:
﴿ أُوذِينَا ﴾: أي ابتُلِينا بالإيذاء – في أنفسنا وأبنائناونسائنا – على يد فرعون وقومه، وذلك ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم موسى: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ بعد هلاكهم، ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ هل تشكرون أو تكفرون؟

الآية١٣٠والآية١٣١:

﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ﴾: أي ولقد ابتَلَينا فرعون وقومه بالقحط والجفاف ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ وذلك ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي رجاء أن يتذكروا، فيَكُفّوا عن ضَلالاتهم، ويَرجعوا إلى ربهم بالتوبة والتضرُّع، فلم يفعلوا،

 لمسات  بيانيه

آية (129):

* ما اللمسة البيانية في الآية (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الأعراف)؟(د.فاضل  السامرائى)

لو يسأل السائل سؤالاً محدداً في الآية.? أولاً للعلم أن القرآن لم يستعمل مضارعاً للفعل جاء ولم يستخدم إلا الفعل الماضي (جيء، جاء) لم يستعمل لا فعلاً مضارعاً لجاء ولا فعل أمر ولا إسم مفعول ولا إسم فاعل. إذا أراد أن يستخدم مضارعاً يستعمل الفعل يأتي. يقولون المجيء بمعنى الإتيان لكن الإتيان أيسر من المجيء ويستعمل لما هو أيسر وجاء يستعمل لما هو أصعب. لا نتوقع أن يأتي مضارع يجيء لأن القرآن لم يستعمل مضارع جاء. إذا كان كما يقول قسم من أهل اللغة أن المجيء فيه صعوبة والإتيان لما هو أيسر وأسهل فعند ذلك هل ما وقع أسهل أو ما لم يقع؟ إذا لم يقع أسهل وما وقع أصعب فـ (جاء) لما وقع و (يأتي) لما لم يقع. فرق بين الماضي والمضارع، جئتنا ماضي وتأتينا مضارع. هذا عموم استعمال جاء ويأتي وهذا لم يقع بعد فيكون أيسر، هذا من حيث جاء ويجيء ويأتي.

?تبقى الآية نفسها عندنا فيها أمران: استعمل الماضي للفعل (جاء) في(من بعد ما جئتنا) جئتنا فعل ماضي و(تأتينا) فعل مضارع والقرآن لا يستعمل مضارع جاء وإنما قال (تأتينا). هذا أمر. ولم يستعمل فعل أتى بالماضى لأن هذا عذاب وإيذاء وقلنا المجيء لما هو أصعب من الإتيان فقال أوذينا من قبل ما جئتنا وهذا طبيعي في الاستخدام.

?يبقى استعمال (أن) و (ما): ما قال من بعد أن جئتنا وإنما قال (من بعد ما جئتنا) فعل الماضي يأتي بعد (أن) في اللغة كما جاء في قوله (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) يوسف)، (مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (24) الفتح). لماذا هنا استخدم (ما) وهنا استخدم (أن)؟ (من بعد ما جئتنا) (ما) هذه تحتمل معنيين في اللغة هنا: الأول المصدرية والثانية الموصولة. هنا توسع في المعنى وتحتمل الأمرين.هي مصدرية بمعنى (الذي) أي من بعد الذي جئتنا به وهو الرسالة. إذن تحتمل أمرين معنيين: من بعد مجيئه هو شخصياً ومن بعد الذي جاء به من الرسالة ولذلك ما قال من بعد أن جئتنا به لتشمل المعنيين ولو قال من بعد أن جئتنا تكون تعني الموصولة لأنه يصير عائد. فهنا (ما جئتنا) ذكر أمرين لأنه كان مجيئه بالرسالة ومجئيه هو، فجمع معنيين هنا وهذا من باب التوسع في المعنى.

?الفرق بين ما المصدرية وما الموصولة: السياق يحددها لكن هنالك أمر يقطع: إذا كان موجود عائد وهو الضمير الذي يعود على الإسم الموصول يقطع هذا بأنها إسم موصول. في حالة عدم وجود العائد نبحث عن المعنى هل يحتمل المصدرية أو الموصولة. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (23) الأحزاب) (ما) هنا إسم موصول أي صدقوا الذي عاهدوا الله عليه. لو حذف في غير القرآن (عليه) لو قال: صدقوا ما عاهدوا الله يكون صدقوا عهد الله نفسه والعهد الذي عاهدوا عليه. (المزيد في باب التوسع في المعنى يمكن الرجوع إليه في كتابي الجملة العربية والمعنى).

 لمسات  بيانيه

آية (123):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)) جاءت هذه الآية حكاية على كلام فرعون للسحرة المؤمنين وكلامه مسوق هنا للتوبيخ والإنكار والوعيد. وختم البيان الإلهي الآية بجملة حُذف مفعولها وهي (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وما ذلك إلا لقصد الإجمال وإدخال الرعب في قلوبهم وكلام فرعون هذا مؤذن بعجزه فإنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت والظلم.

 لمسات  بيانيه

آية (127):

* (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)) للسائل أن يسأل لِمَ لم يعبِّر الله في هذه الآية إلا بقوله (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) ولم يقل وإنا لهم لقاهرون؟ (ورتل القرآن ترتيلاً)

 إن الظرف (فوقهم) في الآية مستعمل مجازاً في التمكن من الشيء وكلمة (فوقهم) مستعارة لاستطاعة قهرهم لأن الإعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره فهي إذن صورة تمثيلية.

التوجيهات

 من أخطر أنواع الكذب على المجتمع كذب الوجهاء، ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ ﴾

 البطانة السيئة شر على البلاد والعباد، ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ﴾

 العبادة والتقوى شرط لوراثة الأرض، ﴿ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

العمل بالآيات:

☄كرر هذا الدعاء  ﴿ ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾

☄ أرسل رسالة إلى أحد المبتلين تحثه فيها على الصبر والثبات، وتبشره بالأجر، وحسن العاقبة، ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 وقفات تدبريه:

 خطورة جليس السوء على أهل الحل والعقد أكثر من خطورتها على غيرهم، ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ ﴾

﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾

إذا حلَّ الإيمان بالقلب كانت الآخرة أهم من الدنيا

﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
جاء بفعل الرجاء دون الجزم تأدبا مع الله تعالى، وإقصاء للاتكال على أعمالهم؛ ليزدادوا من التقوى، والتعرض إلى رضى الله تعالى ونصره.

IMG-20160225-WA0013 IMG-20160225-WA0019 IMG-20160225-WA0015 IMG-20160225-WA0017

———————————-

الوجه (١٦) من الاعراف

من ايه(١٣١↔١٣٧)

   ص١٦٦

 تفسير مبسط للوجه(١٦ )
ص١٦٦

الآيه ١٣١:

فَإِذَا ﴾ حَوَّلَ اللهُ تعالى حالهم، و﴿ جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ﴾: يعني وجاءهم الرزق الكثير والعافية من الأمراض: ﴿ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ﴾ أي نحن مُستحقون لهذه النعم، فلا يشكرونَ اللّهَ عليها، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ﴾
يعني وإن يُصِبْهم قحطٌ ومرض: يتشاءموا، ويقولوا: هذا بسبب موسى ومَن معه، ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾: يعني ألاَ إنَّ ما يُصيبهم من القحط والجفاف إنما هو بقضاء الله وقدره، وبسبب ذنوبهم وكُفرهم، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، لانغماسهم في الجهل والضلال.

الآية ١٣٣:

﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ﴾
وهو سَيْلٌ جارف أغرق الزروع والثمار، ﴿ وَالْجَرَادَ ﴾: أي وأرسلنا عليهم الجَراد فأكَلَ زروعهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم، ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾ – وقد قيل: إنّ القمل هو صِغار الجَراد، والظاهر أنه القمل المعروف الذي يُصِيبُ شَعر الرأس -،﴿ وَالضَّفَادِعَ ﴾ فملأتْ آنِيتهم وأطْعِمَتهم ومَضاجعهم، ﴿ وَالدَّمَ ﴾: أي وأرسلنا عليهم الدم فصارت أنهارهم وآبارهم دمًا، ولم يجدوا ماءً صالحًا للشرب، فكانوا لا يشربون إلا دَماً، ولا يطبخون إلا بِدَم.

وقد كانت هذه الآيات الخمس ﴿ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ﴾:
يعني آيات واضحات – لا يقدر عليها إلا الله -، تدل على أنهم كانوا كاذبينَ ظالمين، وعلى أنّ ما جاء به موسى هو الحق،
﴿ فَاسْتَكْبَرُوا ﴾ عن الإيمان والطاعة، ﴿ وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ مُفسدين لا خيرَ فيهم ولا عهدَ لهم.

الآية ١٣٤:

 ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ﴾: يعني: ولمَّا نزل العذابُ على فرعون وقومه – ويُحتمَل أن يكون هذا العذاب هو الطاعون، ويُحتمَل أن يُراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها عذاب -، فكانوا كلما أصابتهم آية من هذه الآيات: ذهبوا إلى موسى، فـ ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ﴾ أي بما عَلَّمَك من وسائل إجابة الدعاء، وادْعُهُ بما أوحى به إليك مِن رَفْع العذاب بالتوبة، وقالوا له: ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾: يعني لئن رفعتَ عنا العذاب الذي نحن فيه، لَنُصدِّقنَّ بما جئتَ به،
﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
: أي ولَنُطلقنَّ معك بني إسرائيل، فلا نمنعهم مِن أن يذهبوا حيث شاؤوا، (وهم في ذلك كَذَبَة، لا قصدَ لهم إلا زوال ما حَلَّ بهم من العذاب، وظنوا أن العذاب إذا رُفِعَ عنهم، فلن يُصيبهم غيره).

الآية ١٣٥:

﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ ﴾: أي فلما رَفعنا عنهم العذاب الذى نزل بهم، وظلَّ مرفوعاً عنهم
﴿ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ ﴾: أي إلى وقتٍ مُحدد سيَبلغونه لِيَهلكوا فيه بسبب إصرارهم على نقض عهودهم – ولن يُمهَلوا مرة أخرى إذا جاء ذلك الأجل، ولن ينفعهم إمهالهم السابق -، وبالفعل، فعندما طالبهم موسى بالوفاء بما عاهدوه عليه – مِن الإيمان به وإطلاق سراح بني إسرائيل -: ﴿ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ﴾: أي إذا هم يَنقضون عهودهم، ويُقيمون على كُفرهم وضلالهم

الآيه١٣٦:

﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ حين جاء الأجل المحدد لإهلاكهم،
﴿ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾: أي فأغرقناهم في البحر بسبب تكذيبهم بالمعجزات التي ظهرتْ على يد موسى،﴿ وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾
أي وكانوا عن هذه المعجزات غافلين، وتلك الغفلة هي سبب التكذيب.

واعلم أن هذه الآيات السابقة تُظهِر ضعف الإنسان عند نزول البلاء به، حيثُ يَفزَع إلى اللهِ تعالى فيَدعوه ويتضرع إليه، وعِندَ رَفْع البلاء يَنسى ما نَزَلَ به، ويعودُ إلى ما كان عليه من المعاصي، إلا مَن آمن وعمل صالحاً، فإنه يَصبر عند البلاء، ويَشكر عند النَعماء.

الآية ١٣٧:

﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾: أي وأورثنا بني إسرائيل الذين كانوا يُستَذَلُّون للخدمة: ﴿ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ – (وقد اختلف العلماء في معنى مشارق الأرض ومغاربها، فبعضهم قال إنها أرض الشام، إذ لها مشارق ومغارب، وبعضهم قالَ إنها أرض مصر، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون في ذلك الوقت، وبعضهم قال: (هي مصر والشام معاً)، واللهُ أعلم).

وهذه الأرض التي أورثناها لهم هي ﴿ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾
بإخراج الزروع والثمار والأنهار، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
أي وصَدَقَ وَعْدُ اللهِ لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم والتمكين في الأرض، وهذا الوعد هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ ، وهو نفس الوعد الذي أخبرهم به موسى حين قال لهم: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، (وقد سَمَّى اللهُ هذا الوعد بـ ﴿ الحُسنى ﴾ لأنه وَعْدٌ بما يُحبون).

وقد كان هذا التمكين لبني إسرائيل ﴿ بِمَا صَبَرُوا ﴾: أي بسبب صبرهم على أذى فرعون وقومه، ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ من السلاح والحدائق والمزارع، وغير ذلك، ﴿ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾: أي وكذلك دَمّرنا ما كانوا يبنون من الأبنية والقصور العالية، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم قوما آخرين غيرهم.

 لمسات بيانيه

آية (132):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)) لو قال آل فرعون صيغة غير التي حكيت عنهم لتأملنا منهم خيراً لكنهم صاغوا كلامهم على أعلى درجالت المبالغة في الكفر بموسى وآياته.فاسمع لقولهم (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)وتأمل هذه الأمور:
☆ أولاً الجملة الإسمية وما تحتوي من الدلالة على ثبوت الإنتفاء ودوامه.
☆ثانياً بما تفيده الباء الزائدة من توكيد هذا النفي (بمؤمنين)
ألا ترى أن الباء يمكن أن تُحذف فذكرها فيه توكيد.
☆ ثالثاً قدّموا (لك) على متعلقه (بمؤمنين) ليؤكدوا رفضهم للإيمان بما جاء به موسى عليه السلام فهل ثمة تعنُّتٌ أشدُّ من هذا؟!

 لمسات  بيانيه

آية (136):

* ما اللمسة البيانية في ورود لفظة اليم 8 مرات و لفظة البحر 8 مرات في قصة موسى وورد ت لفظة البحرين مرة واحدة؟(د.فاضل السامرائى)

⬅مسألة البحر واليم ذُكِرت أكثر من مرة في هذا البرنامج وقلنا أن القرآن الكريم يستعمل اليم والبحر في موقفين متشابهين كما في قصة موسى u مرة يستعمل اليم ومرة يستعمل البحر في القصة نفسها (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء) (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) اليمّ كما يقول أهل اللغة المحدثون أنها عبرانية وسريانية وأكادية وهي في العبرانية (يمّا) وفي الأكادية (يمو) اليمّ وردت كلها في قصة موسى ولم ترد في موطن آخر

⬅ومن التناسب اللطيف أن ترد في قصة العبرانيين وهي كلمة عبرانية. كلمة البحر وردت عامة (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14) النحل) عامة

لكن من الملاحظ أن القرآن لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة أما البحر فعامة ولم يستعمل اليم في مقام النجاة، البحر قد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة. قال تعالى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) القصص) (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ (39) طه) هذا خوف،(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (136) الأعراف) هذه عقوبة

فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) عقوبة،

 أما البحر فعامة استعملها في النِعم لبني إسرائيل وغيرهم (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (63) النمل) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ (67) الإسراء)

 في نجاة بني إسرائيل استعمل البحر ولم يستعمل اليم. استعمل اليم في العقوبة واستعمل البحر في النجاة والإغراق (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) استعملها في الإغراق والإنجاء (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) أي أنجيناهم، (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) طه) (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ (78) طه) لم يقل البحر، (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء). إذن يستعمل اليم في مقام الخوف والعقوبة فقط ويستعمل البحر عامة في بني إسرائيل وغيرهم. اليم يستعمل للماء الكثير وإن كان نهراً كبيراً واسعاً. يستعمل اليم للنهر الكبير المتسع ويستعمل للبحر أيضاً. اللغة تفرق بين البحر والنهر واليم: النهر أصغر من البحر والقرآن أطلق اليم على الماء الكثير ويشتق من اليم ما لم يشتقه من البحر (ميموم) أي غريق لذلك تناسب الغرق.

⬅العرب لا تجمع كلمة يم فهي مفردة وقالوا لم يسمع لها جمع ولا يقاس لها جمع وإنما جمعت كلمة بحر (أبحر وبحار) وهذا من خصوصية القرآن في الاستعمال

 كونها خاصة بالخوف والعقوبة هذا من خصوصية الاستعمال في القرآن.

لمسات  بيانيه

آية (137):

*ما إعراب كلمة القوم ومشارق في الآية (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا)

⬅الفعل أورثنا ينصب
مفعولين وعليه فإن:

 القوم مفعول به أوّل

ومشارقَ مفعول به ثاني لفعل أورثنا.
وهذا ينطبق أيضاً على قوله تعالى في سورة الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً {27}) أرضهم مفعول به أول وديارهم مفعول به ثاني.

 لمسات  بيانيه

آية (133-134):

* (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ (134))

⬅تُرى ما هو المراد بالرجز في الاية الثانية؟( ورتل القرآن ترتيلاً)

 إنه مرض الطاعون .

*د.فاضل السامرائى :

⬅استعمال (على) في القرآن عجيب، فيه استعلاء وتسلّط ولذلك العذاب يأتي بـ (على) (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ (77) المؤمنون) (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) الفيل) لم يقل أرسل إليهم (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ (133) الأعراف)

في الغالب ما تأتي (على) مع العقوبات.

⬅سؤال: هل كانت العرب تفهم معاني الحروف؟
هذه لغتهم لكن هل هم بدرجة واحدة في استعمالها؟

 في الأمور الأساسية نعم أما في الأمور البيانية فهم متفاوتون.

⬅*لكن لسائلٍ أن يسأل لم لم يذكر في عداد الآيات المفصلات في الآية السابقة حين قال (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً)

كانت بلاغة القرآن تقتضي أن يستقل الرجز بالذكر تخصيصاً له فالآفات السابقة حلّت على بيئتهم ويمكن الإحتراز منها أما مرض الطاعون فقد كان شديداً لا مفر منه ولذلك عدّى وقوعه بـ (عليهم)دون (فيهم) لما تدل كلمة (عليهم) من تمكُّن ذلك المرض منهم. ولا أدلّ على شدته وعِظَمه من أنه ألجأهم إلى الاعتراف بآيات موسى والإقرار بربّه.

 لمسات بيانيه

آية (131):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ (131)) تمعن في روعة النظم الإلهي فلو تدبرت التقابل البديع الحاصل في الآية لوقفت خاشعاً في تحراب الله تعالى. فانظر كيف عبّر في جانب الحسنة بالمجيء في حين عبّر في جانب السيئة بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب. وفي التعبير عن السيئة بـ (تُصِبْهُمْ) دقة لا متناهية فالإصابة وحدها توحي بالسوء فكيف إذا عدّ الإصابة بالسيئة فهو ألم فوق ألم.

 العمل بالآيات

 أرسل رسالة، أو الق كلمة تحذر فيها المجتمع من معاداة أولياء الله تعالى ودينهم، وقبول الله دعاءهم عليهم، ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾

 تذكر ثلاثة مواضع نصر الله فيها المؤمنين المستضعفين على عدوهم القوي، ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ ﴾

تذكر ثلاث مصائب حديثة حلت بالمجتمع بسبب المجاهرة بالذنوب، وترك الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ ﴾

التوجيهات

 على الإنسان أن يشكر الله تعالى على نِعَمه، ويعلم أنه لا فضل له فيها، بل هي محض فضل الله تعالى، ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ﴾

 من أكثر ما يضر ابن آدم: المكابرة والمعاندة، ﴿ وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

 احذر الغفلة عن آيات الله تعالى؛ فإنها سبب لنزول العقوبة والعذاب، ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا ﴾

IMG-20160228-WA0004 IMG-20160228-WA0008 IMG-20160228-WA0006

————————————————————-

الوجه (١٧) من الاعراف

من ايه(١٣٨↔١٤٣)

   ص١٦٧

IMG-20160228-WA0002

الآية 142:

﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾ لِمُناجاتنا بجبل الطور ولإنزال التوراة عليه،
﴿ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾: يعني ثم زِدناهُ بعد ذلك عشرَ ليالٍ فوق هذه الثلاثين، ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾: أي فبذلك اكتمل الوقت الذي حَدَّدَهُ اللهُ لموسى لِتكليمِه أربعين ليلة، ﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ ﴾ – حينَ أراد الذهاب لِمُناجاة ربه
﴿ اخْلُفْنِي ﴾: يعني كُن خليفتي ﴿ فِي قَوْمِي ﴾
حتى أرجع، ﴿ وَأَصْلِحْ ﴾: يعني وأْمُرْهم بعبادة الله تعالى، وبالأعمال الصالحة، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾:أي ولا تَسلك طريق الذين يُفسدون في الأرض بالشرك والمعاصي.

الآية 143:
﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ﴾ أي في الموعد الذي واعدناهُ فيه والوقت الذي حدَّدناهُ له، ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ بلا واسطة بينهما، طَمَعَ في رؤية اللهِ تعالى شوقاً إليه وحُبَّاً، فـ ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي ﴾ أي اجعلني ﴿ أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ له: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾: أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا، لأنّ خِلقتك لن تَحتَمِل ذلك، ﴿ وَلَكِنِ ﴾ إذا أردتَ أن تتيَقن مِن أنك لن تقدر على ذلك في الدنيا: فـ ﴿ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾ ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ﴾ بعد أن أتجلَّى وأظهر له ﴿ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾
﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ لم يتحمل الجبل رؤية ذاتِ اللهِ تعالى، فـ﴿ جَعَلَهُ ﴾ اللهُ ﴿ دَكًّا ﴾ أي مستويًا بالأرض، (فاندِكاكُ الجبل – رغم قوة بِنْيَتِهِ وعظيمِ جسمِه – كانَ لِعجزِهِ عن رؤية ربه تبارك وتعالى، فكيف بموسى عليه السلام لو رآه؟!)، ﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾: أي وسقط موسى مَغشيًّا عليه عند رؤية الجبل، ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ ﴾ لربهِ تبارك وتعالى: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾أي تنزيهاً لك يارب وتقديساً فأنتَ عظيم، وإني ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ فلن أسألك مِثل هذا السؤال بعد اليوم، ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
بكَ مِن قومي.

 تفسير مبسط للوجه (١٧ )
لسورة الأعراف ص١٦٧

الآية 138:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ﴾ أي وقطعنا بهم البحر فاجتازوه إلى شاطئه سالِمين، ﴿ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ ﴾: أي فمَرُّوا على قومٍ يُقِيمون ﴿ عَلَى ﴾ عبادة ﴿ أَصْنَامٍ لَهُمْ ﴾، فـ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾: أي اجعل لنا صنمًا نعبده كما لهؤلاء القوم أصنام يعبدونها، ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ عَظمةَ اللهِ تعالى، ولا تعلمون أن العبادة لا تكونُ إلا للهِ الواحد القهار، وأما غيره من الآلهة الباطلة، فإنهم لا يَملكون لأنفسهم – ولا لِمَن يَعبدهم – نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً (والنشور هو البعث بعد الموت).

الآية 139:

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ ﴾ المُقيمين على هذه الأصنام ﴿ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ ﴾: أي هالِكٌ ما هم فيه من الشِرك وخاسر، ﴿ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ من عبادتهم لتلك الأصنام، التي لا تدفع عنهم عذابَ اللهِ إذا نزل بهم.

الآية 140:

 ﴿ قَالَ ﴾ موسى لقومه: ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا ﴾: يعني أغيرَ اللهِ أطلبُ لكم معبودًا تعبدونه، وهو سبحانه الذي خلقكم،
﴿ وَهُوَ ﴾ الذي ﴿ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾: أي فضَّلكُم على عالَمِي زمانكم بكثرة الأنبياء فيكم، وبإهلاك عدوكم، وبما خَصَّكم به من المعجزات؟!

الآية 141:
﴿  وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ ﴾: يعني واذكروا – يا بني إسرائيل – نِعَمنا عليكم حينَ أنقذناكم
﴿ مِنْ ﴾ بطش وأسْر وذل ﴿ آَلِ فِرْعَوْنَ ﴾ لكم، إذ كانوا
﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾
أي يُذيقونكم أشد العذاب، فـ ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾
﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾: أي ويتركون بناتكم أحياءً للخِدمة والإهانة، ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾: يعني: وفي ذلك اختبارٌ لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجبُ شُكرَ اللهِ تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.

وقفات تدبريه:

 فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾
قيل: قال على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات، وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية فإن الأنبياء
معصومون.

 (إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ): وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه، وأراد أن يسوِّي به غيره ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورًا؟!

 التوجيهات:

  أشد الجهل: الجهل بالتوحيد، ﴿ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾

 المحافظة على المواعيد أمر محبوب للشارع، مرغب فيه، وهو من سمات الصادقين، ﴿ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ ﴾

 الإصلاح من سبل الأنبياء، فكن على نهج الأنبياء، ولا تتبع سبيل المفسدين، ﴿ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾

 قل: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» مائة مرة، ﴿ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾

IMG-20160301-WA0002 IMG-20160301-WA0006 IMG-20160301-WA0008 IMG-20160301-WA0004

—————————————–

الوجه (١٨) من الاعراف

من ايه(١٤٤↔١٤٩)

   ص١٦٨

IMG-20160303-WA0006

تفسير مبسط للوجه  (١٨)لسورة الأعراف ص ١٦٨

الآية 144:

﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾:أي اخترتك وفضّلتك ﴿ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي ﴾ أي بتبليغ رسالاتي التي لا أخُصُّ بها إلا أفضل الخَلق، ﴿ وَبِكَلَامِي ﴾: أي وفضّلتك عَلَى النَّاسِ بكلامي لك مِن غير واسطة، ﴿ فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ ﴾: أي فخُذ ما أعطيتك مِن النعم، وخذ ما أعطيتك مِن الأمر والنهي بانشراحِ صدر، وتَلَقَّهُ بالقبول والانقياد واعمل به، ﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ للهِ تعالى على نِعَمِه، وعلى ما خَصَّكَ به وفضّلك.

☄واعلم أنّ قوله تعالى:
﴿ فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾، فيهِ دعوةٌ إلى القناعة، فهي خير ما يُؤتَى المرءُ في حياته)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أفلحَ مَن أسلم، ورُزِقَ كفافاً- (أي أُعْطِيَ الرزق الذي يَكفيه عن سؤال الناس) -، وقنَّعَهُ اللهُ بما آتاه) (انظر حديث رقم: 4368 في صحيح الجامع).

الآية 145الآية 146

﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾: أي وكَتبنا لموسى في ألواح التوراة مِن كل ما يحتاج إليه في دينه مِن أحكام، فكَتبنا فيها ﴿ مَوْعِظَةً ﴾ تُرَغِّب النفوس في فِعل الخير، وتخوِّفهم مِن فِعل الشر، ﴿ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن تكاليف الحلال والحرام، والأمر والنهي، والقصص والعقائد، وقال اللهُ تعالى له: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾: أي خذ يا موسى التوراة بِجدّ واجتهاد، واعمل بما فيها، ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ ﴾أيضاً بأن ﴿ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾: أي بأن يعملوا بما شَرَِع اللهُ فيها من الأوامر الواجبة والمُستحَبة، وألاَّ يتساهلوا بأخْذ الرُخَص التي فيها، وإنما يأخذوا بالعَزائم التي فيها، وذلك تربيةً لهم وتعويداً على تحمل العَظائم، لِمَا لازَمَهم من الضعف والكسل زمناً طويلاً،
☄(ونَضربُ مثالاً حتى نفهم معنى الرخصة والعزيمة: أنّ صيام رمضان عزيمة مُؤكَّدة في الشرع، وأمَّا الإفطار فيه فهو رُخصة للمسافر والمريض).

☄﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ – اختلف المفسرون في تفسير هذه الجملة، فقال بعضهم: (إنّ هذه الجملة تتضمن النَهي لبني إسرائيل عن ترْك ما جاء في التوراة من الشرائع والأحكام، لأنهم إذا تركوا ذلك، كانوا من الفاسقين، وللفاسقين نار جهنم، وسَيُريهم اللهُ إيّاها يوم يَلقونه)، وعلى هذا يكون المعنى: (سأُرِيكُم في الآخرة دار الفاسقين، وهي ناري التي أعدَدتُها للخارجين عن طاعتي).

☄وقال بعضهم إنّ المعنى: (سأُرِيكُم دار الفاسقين بعدما أهلكتُهُم، وأبقيتُ ديارَهم عِبرةً يَعتبر بها المؤمنون المتواضعون)، وأما غير المتواضعين فقال عنهم:
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ ﴾: يعني سأصرف عن فَهْم الحُجج الدالَّة على توحيدي: قلوبَ ﴿ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾: أي المتكبرين عن طاعتي والانقياد لشريعتي، والمتكبرين على الناس بغير الحق، فلا يَتَّبعون نبيًا ولا يَنصتون إليه لِتكَبُّرهم
﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾،﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾
يعني وإن يَرَ هؤلاء المتكبرون طريق الحق القائم على الإيمان والتقوى:﴿ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾
﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ ﴾ – وهو طريق الضلال القائم على الشرك والمعاصي – ﴿ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾: يعني يتخذوه طريقًا ودينًا، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا ﴾: أي وذلك الانحراف عن الحق، كان بسبب تكذيبهم ﴿ بِآَيَاتِنَا ﴾
الواضحة، ﴿ وَكَانُوا ﴾: أي وبسبب أنهم كانوا ﴿ عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ لا يلتفتونَ إليها، ولا يتفكَّرون فيما تدل عليه وتهدي إليه، فصرفهم الله عن فَهْمها.

الآية 147:

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾
بسبب فَقْدِها لِشرط القَبول, وهو الإيمان بالله والتصديق بجزائه, ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ ﴾ في الآخرة ﴿ إِلَّا ﴾ جزاءَ ﴿ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ من الكفر والمعاصي, وهو الخلود في النار؟ (والجواب: نعم، وهذا ما يُسمَّى بالاستفهام التقريري).

الآية 148:

﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ ﴾ – أي مِن بعد ما فارقهم لِيُناجي ربه -، فصنعوا ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾: أي مِن ذهبِ نسائهم ﴿ عِجْلًا جَسَدًا ﴾ بلا روح، ولكنْ ﴿ لَهُ خُوَارٌ ﴾: أي له صوت مثل صوت البقر، فاتخذوه معبودًا مِن دون الله تعالى.

ثم قال تعالى – مُبَيِّنًا أنه ليس فيه من الصفاتِ ما يجعله إلهاً ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾
فإنّ عدم الكلام نقصٌ عظيم، إذ هُم أكْملُ حالاً من هذا الجماد الذي لا يتكلم، ﴿ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ﴾: يعني ولا يُرشدهم إلى خير؟ فالرَبّ المعبود بحق لابد أن يكون متكلّماً، حتى يُشرِّع لعباده ما فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، فيَهديهم بذلك سُبُلَ كمالِهم وسعادتهم، ومع ذلك فقد ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ إلهاً ﴿ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ لأنهم وضعوا العبادة لمن لا يستحقها.

الآية 149:

﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ﴾
والمعنى: ولمَّا نَدِموا على عبادة العِجل – (لأنه يُقال للنادم: (سَقَطَ الندم في يده)، وهذا تشبيه بمَن عَضَّ يده من الندم، فظهرتْ آثار العضّ في يده)  فلمَّا ندموا هذا الندم الشديد
﴿ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ﴾ عن طريق الرشاد، استغفَروا ربهم، وأقرُّوا بعبوديته وحده، وتضرَّعوا إليه سبحانه فـ ﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ﴾ بقَبول توبتنا، وعِصمتنا من الوقوع في الذنوب،
﴿ وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾هذا الذنب العظيم، ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ الذين ذهبتْ أعمالهم هباءً (لأنهم يعلمون أنَّ اللهَ تعالى – إن لم يَقبل توبتهم – فسَوف يُحبط أعمالهم بسبب شِركهم).

 لمسات بيانية

ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ (148))

 انظر إلى هذه الفائدة اللطيفة في دقة اللفظ القرآني فانظر إلى قوله (عِجْلاً جَسَدًا) إذ لم يقل عجلاً جسماً وذلك لأن الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه وهو خاص بجسم الحيوان إذا كان بلا روح. وبهذه الصفة (جسداً) إستطاع القرآن أن يسلب من السامع الدهشة التي تصورها من تحويل قوم موسى الحُليَّ عجلاً فهم صنعوا هذا العجل لكن لا روح فيه.

 لمسات بيانيه

آية (149):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ (149))

هذه كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذ نظمت على إيجاز بديع وكناية بارعة. فإنك تعلم أن اليد تستعمل للقوة والنصرة فبها يضرب بالسيف وبها تحرك الأشياء وهي آية القدرة. وقد استعملت في الآية بمعنى الندم وتبين الخطأ. ففي الآية تمثيل بحال من سُقط في يده حين العمل أي تعطلت حركة يده بسبب غير معلوم دخل بها فصيرها عاجزة وهذا كناية عن الفجأة والدهشة.

 لمسات بيانيه

آية (146):

*ما الفرق بين الرُشد والرَشَد مع أن الرَشَد مستخدمة في القرآن الكريم ؟(د.فاضل  السامرائى)

هم يفرّقون بين الرُشد والرَشَد، الرُشد معناه الصلاح والاستقامة وهم قالوا الرُشد يكون في الأمور الدينية والدنيوية، في أمور الدين وفي أمور الدنيا، في الأمور الدنيوية والأخروية والرَشد في أمور الآخرة، يعني الرُشد يكون في أمور الدنيا والآخرة والرَشَد في أمور الآخرة.

في القرآن ورد الرُشد (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا (6) النساء) أمر دنيوي، (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) الكهف) أمر دنيوي موسى تتبع الرجل الصالح، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (256) البقرة) و (وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً (146) الأعراف) إذن الرُشد يستعمل في أمور الدنيا والدين.

أما الرَشد فالكثير أنه يستعمل في أمور الدين أكثر ما يكون في الدين (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) الكهف) (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) الكهف) أغلب ما تستعمل في أمور الدين

IMG-20160303-WA0004

الوقفات التدبرية

﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾
يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على عالمي زمانه برسالاته وكلامه، ولا شك أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه الله بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة، وأتباعه أكثر من أتباع الأنبياء كلهم. ابن كثير:2/236.

﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى﴾
فلما منعه الله من رؤيته بعد ما كان متشوقاً إليها، أعطاه خيراً كثيراً. السعدي:302.
فإذا حَرَم الله الصادقَ خيراً عوضه بخير آخر.

﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾
(فخذها بقوة) أي: بجد واجتهاد، وقيل: بقوة القلب، وصحة العزيمة؛ لأنه إذا أخذه بضعف النية؛ أداه إلى الفتور.
البغوي:2/152.

﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾
فدل على أن فيما أنزل حسن وأحسن. ابن تيمية:3/198.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾
قال ابن عباس: «يريد: الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي»؛ يعني: سأصرفهم عن قبول آياتي، والتصديق بها؛ عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق؛ كقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) [الصف: 5].البغوي:2/152.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾
قال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من لم يصبر على ذُلِّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبداً. ابن كثير:2/237.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾
إذا كان المصحفُ الذي كُتِب فيه طاهرًا لا يمسُّه إلاّ البدن الطاهر، فالمعاني التي هي باطنُ القرآن لا يمسُّها إلاّ القلوبُ المطهرة، وأما القلوب المنجسة لا تمسُّ حقائقَه، فهذا معنىً صحيح؛ قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق). قال بعض السلف: أَمنَعُ قلوبَهم فهمَ القرآن. ابن تيمية:3/198.

التوجيهات

 من أقوى عوامل الصرف عن فهم آيات الله: الكبر، ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾

 تقبيح الغباء والجمود، وعدم تفكر الإنسان في حاله وواقعه وما حوله، ﴿ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ﴾

 إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه التوبة بعد المعصية، فندم واستغفر، ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴾

 العمل بالآيات:

 اتبع اليوم وسيلة جديدة تزيد من جديتك في أخذ كتاب الله؛ مثل العزم على العمل بما قرأت، وشكر الله على تحبيب كتاب الله لك، ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ ﴾

 تذكر خمسًا من نعم الله عليك، ثم اشكر الله تعالى عليها، ﴿ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ﴾

 استعذ بالله تعالى أن يصرف قلبك عن ذكره وفهم كتابه, ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بغير الحق}

——————————–

الوجه (١٩) من الاعراف

من ايه(١٥٠↔١٥٥)

   ص١٦٩

IMG-20160306-WA0002
تفسير مبسط للوجه (١9)
لسورة الأعراف ص١٦٨

الآية 150:

﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ ﴾ أي ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم، ﴿ أَسِفًا ﴾ أي حزينًا لأن الله أخبره أن قومه قد فُتِنوا، وأن السامِرِيَّ قد أضلَّهم، (وهذا الغضب والحُزن كانَ لِتمام غيرتِهِ عليه الصلاة السلام أن يَعبد قومُهُ غيرَ ربه)، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ﴾: أي بئسَ الحالة التي خلفتموني بها، مِن بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تؤدي بكم إلى الهلاك والشقاء الأبدي، ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾
يعني أستعجلتم أمْرَ ربكم، حيثُ وَعَدكم بإنزال الكتاب، فلم تتِمّوا ميعاده الذي حَدَّدَهُ لكم، وقلتم: (ماتَ موسى)، وبدَّلتم دينه فعبدتم العجل؟!، ﴿ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ﴾: أي وألقى ألواح التوراة غضباً على قومه الذين عبدوا العجل،
﴿ وَأَخَذَ ﴾: يعني وأمسَكَ
﴿ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ ظناً منه أنه خالَفَ أمْرَهُ حينَ قال له: ﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ هارون مستعطفًاً أخاه: يا ﴿ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾: أي وقارَبوا أن يقتلوني حينَ قلتُ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴾، ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ ﴾: أي فلا تجعل الأعداء يَفرحون بما تفعل بي، ﴿ وَلَا تَجْعَلْنِي ﴾ في غضبك ﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين خالفوا أمْرَك وعبدوا العجل، ولا تعاملني معاملتهم لأنني لم أقصِّر في نَهْيِهِم عمَّا فعلوا.

?واعلم أنّ هارون عليه السلام قالَ لفظ: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ – مع أنه شقيق موسى لأمِّهِ وأبيه -، ترقيقاً لقلب أخيه، لأنّ ذِكر الأم وحدها يكونُ أكثر عطفاً وحناناً مِمَّا إذا ذُكِرَ الأب والأم معاً، أو الأب فقط.

الآية 151:

﴿ قَالَ ﴾ موسى – لَمَّا تبيّنَ له عُذر أخيه، وعَلِمَ أنه لم يُفَرِّط فيما كان عليه من أمْر الله -: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ ما صنعتُ بأخي قبل أن أتبيّن براءته، واغفر لي إلقاء ألواح التوراة على الأرض، ﴿ وَلِأَخِي ﴾: أي واغفر لأخي إن كانَ قد وقع منه تقصير في الإنكار على عَبَدَة العجل، ﴿ وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ﴾ الواسعة، ﴿ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾: يعني فإنك أرحم بنا مِن آبائنا وأمّهاتنا، ومِن كل راحم.

الآية152:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾
إلهًا ﴿ سَيَنَالُهُمْ ﴾ أي سيُصيبهم
﴿ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ (وقد نالهم غضبُ اللّه في الدنيا، حيثُ أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأخبَرَهم أنه لن يَرضى عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضاً، وانتهت المعركة عن كثيرٍ من القتلَى)، ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾: يعني وبمِثل هذا الجزاء: ﴿ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ أي الكاذبين على اللهِ تعالى (بزَعْمِهم أنّ له شريك).

الآيه153:

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ﴾:
يعني وأما الذين وقعوا في الكفر والمعاصي ﴿ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا ﴾: يعني ثم رجعوا مِن بعد فِعلها إلى الإيمان
والعمل الصالح، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾ أي مِن بعد هذه التوبة النَصوح: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ لذنوبهم، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم – وبكل التائبين – حيث مَكَّنَهم من التوبة، وجعلها نجاةً لهم من عذابه.

الآية 154:

﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ﴾: يعني ولمَّا هدأ موسى، وزالَ غضبه: ﴿ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ﴾ بعد أن ألقاها على الأرض، ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾: يعني وفي ما كَتبه اللهُ فيها ونَسَخه بيده: ﴿ هُدًى ﴾ أي إرشادٌ للحق، ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي وفيها رحمة للذين يخافون اللهَ ويَخشون عقابه، فلا يعصونه.

الآية 155:

﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ﴾ أي اختارَ مِن قومه ﴿ سَبْعِينَ رَجُلًا ﴾ مِن خِيارِهِم، وخرج بهم إلى طُور “سيناء”، ﴿ لِمِيقَاتِنَا ﴾: أي في الوقت الذي حدَّده اللهُ لهم (ليعتذروا له عمَّا فعَلَهُ عَبَدة العجل)، فلما أتوا طُور “سيناء”، قالوا لموسى: (لن نؤمن لك حتى نرى اللهَ بأعيننا، فإنك قد كلَّمتَهُ فاجعلنا نراه)، ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾: أي فلما أخذتْهم الصاعقة، التي ارتجفتْ لها قلوبهم والأرض مِن تحتهم – بسبب جُرأتهم على ربهم – ماتوا جميعاً، فقام موسى يتضرع إلى الله، فـ ﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ ماذا أقولُ لبني إسرائيل إذا أتيتُهم، وقد أهْلكتَ خِيارهم؟ إنك سبحانك ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ ﴾ جميعًا ﴿ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾: أي مِن قبل مجيئهم إليك وأنا معهم، فإنَّ ذلك أخَفّ عليَّ، ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ أي بسبب فِعل ضعاف العقول (وهم مَن عبدوا العجل، وكذلك مَن طلبوا رؤيتك)؟ إنك سبحانك لا تفعلُ بنا ذلك.

 فبذلك اعتذر موسى لربه بأنّ المُتجرّئين على اللّه ليس لهم عقول كاملة تَرْدَعُهُم عمَّا قالوا وفعلوا، وبأنهم قد حصل لهم فتنةٌ في دينهم، فقال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾: يعني ما هذه الفِعلة التي فعلها قومي إلا اختبارٌ وفتنة منك ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ﴾ ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا ﴾ أي مُتولي أمْرنا وناصِرُنا، فليسَ لنا سواك ﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ﴾ ذنوبنا
﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ برفع العذاب عنا ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾:
يعني وأنت خيرُ مَن صَفَحَ عن جُرْمٍ، وسَتَرَ عن ذنب، (فأجابَ اللّهُ دعائه، فأحياهم مِن بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم)

 لمسات  بيانيه

– ما دلالة ذكر وحذف (يا) في قوله تعالى (ابن أوم) في سورة الأعراف و(يبنؤم) في سورة طه؟

?قال تعالى في سورة الأعراف (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُومَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {150})
?وقال في سورة طه (قَالَ يَبْنَؤمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي {94})

وذكر الحرف وعدم ذكره له دوافع والقاعدة العامة فيه أنه عندما يكون السياق في مقام البسط والتفصيل يذكر الحرف سواء كان ياء أو غيرها من الأحرف كما في سورة طه ،

وإذا كان المقام مقام إيجاز يوجز ويحذف الحرف إذا لم يؤدي ذلك إلى التباس في المعنى كما جاء في سورة الأعراف .وكذلك في قوله (أئن لنا لأجراً) وقد يكون مقام التوكيد بالحرف.
¤ففي سورة الأعراف حذف الحرف لأن الموقف جاء ذكره باختصار (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُومَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {150})
¤أما في سورة طه فالآيات جاءت مفصلة ومبسّطة وذُكرت فيها كل الجزئيات لذا اقتضى ذكر (يا) (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي {86} قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ {87} فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ {88} أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً {89} وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي {90} قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى {91} قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا {92} أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي {93}).

الوقفات التدبرية

١﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ ﴾
لتمام غيرته عليه الصلاة والسلام، وكمال نصحه وشفقته. السعدي:303.

٢﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ ﴾
والعجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، وهي مذمومة، والسرعة: عمل الشيء في أول أوقاته، وهي محمودة. القرطبي:9/338.

٣﴿قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى﴾
وإنما قال (ابن أم) ليكون أَرَقَّ وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه. ابن كثير: 2/238.
الصالحون يختارون أحسن الألفاظ للوصول إلى المقصود.

٤﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾
أعقبهم ذلك ذلا وصغارا في الحياة الدنيا، وقوله: (وكذلك نجزي المفترين) نائلة لكل من افترى بدعةً؛ فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: «إن ذل البدعة على أكتافهم؛ وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين». … وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. ابن كثير:2/238.

٥﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾
قال سهل بن عبد الله: «… وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله». ويدل على ذلك قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون). ابن تيمية:3/208.
السؤال: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى.

٦﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ ﴾
أي: أتهلكنا وتهلك سائر بني إسرائيل بما فعل السفهاء -الذين طلبوا الرؤية حين قالوا: أرنا الله جهرة، والذين عبدوا العجل- فمعنى هذا إدلاء بحجته، وتبرؤ من فعل السفهاء، ورغبة إلى الله أن لا يعم الجميع بالعقوبة. ابن جزي:1/318.

٧﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ﴾
أي: محنتك، واختبارك، وابتلاؤك؛ كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره، وابتليتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب، والمنافق من المخلص؛ فتجعل ذلك سببا لضلالة قوم وهدي آخرين. ابن تيمية:3/208.

 التوجيهات

☄1- للأخ أن يعاتب أخاه المسلم، ولكن بعيدا عن سمع المتربصين بالإسلام، وشماتتهم، ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ ﴾
☄2- صاحب البدعة والشرك تغشاه الذلة، ولو تظاهر بالعزة بجاهه أو ماله، ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾

☄3- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب لدمار المجتمع وخرابه، ﴿ ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ ﴾

 العمل بالآيات

1- إن غضبت هذا اليوم فتوضأ، واجلس إن كنت قائماً، واستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ ﴾

2- استغفر الله تعالى وتب إليه مما اقترفت من الأخطاء والسيئات، ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾

3- ادع وتضرع إليه أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, ﴿ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ ﴾

IMG-20160306-WA0009 IMG-20160306-WA0007 IMG-20160306-WA0004

—————————————-

الوجه (٢٠) من الاعراف

من ايه(١٥٦↔١٥٩)

   ص١٧٠

IMG-20160308-WA0000

 تفسير مبسط للوجه(٢٠ )
لسورة الأعراف ص١٧٠

الآيه ١٥٦،الآيه١٥٧:

ثم قال موسى في ختام دعائه: ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ مِن عِلمٍ نافع، ورزقٍ واسع، وعملٍ صالح،
﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾- يعني وفي الآخرةِ حسنة، وهي الجنة – ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾: يعني إنا رجعنا تائبين إليك، (وبهذا اللفظ: ﴿ هُدنا ﴾ سُمُّوا يَهوداً، أي التائبين مِن عبادة العجل)
﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى لموسى: إن الرَّجفة التي أنزلتُها بقومك هي ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ﴾ مِن خلقي، وهم الذين يَخرجون عن طاعتي، كما أصبتُ هؤلاء الذين أصَبْتُهم من قومك، ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي وَسِعَتْ خَلقي كلَّهم، ولكنْ: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾
لِمُستحقيها ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 وهم ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾
أي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم
﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ﴾: أي الذي يجدون صِفَته مكتوبة
﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل﴾
﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أي يأمرهم بالتوحيد والطاعات وكل ما عُرِفَ حُسْنُهُ بين الناس، ﴿ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾: أي وينهاهم عن الشرك والمعاصي وكل ما عُرِفَ قُبْحُهُ بين الناس، ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ﴾ التي حُرِّمَتْ عليهم بسبب ظُلمهم، ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ كالخَمر ولحم
الخنزير والرِبا وسائر المُحَرَّمات في الإسلام، ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾
: أي ويُذهِب عنهم ما كُلِّفوه من الأمور الشاقة، كقَطْع مَوْضع النجاسة من الثوب، وإحراق الغنائم، والقصاص حتمًا من القاتل (سواء كان القتلُ عمدًا أم خطأً)، ﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ ﴾: يعني فالذين صدَّقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأقرُّوا بنبوَّته
﴿ وَعَزَّرُوهُ ﴾: أي ووَقَّروه وعظَّموه، ﴿ وَنَصَرُوهُ ﴾ على أعدائه المشركين والمنافقين
﴿ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ﴾: أي واتَّبعوا القرآن المُنَزَّل عليه، وعَمِلوا بسُنَّتِه ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الفائزون بدخول الجنة والنجاة من النار.

الآية 158:

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ لا إلى بعضِكم دونَ بعض، واعلموا أنّ اللهَ تعالى الذي أرسلني هو ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ وما فيهما، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾: أي لا تكونُ العبادةُ إلا له سبحانه وتعالى، إذ هو وحده الذي ﴿ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾.

☆ثم قال تعالى – مُخاطِباً جميع الناس -: ﴿ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ رَبّاً وإلهاً،
﴿ وَكَلِمَاتِهِ ﴾: يعني ويؤمن بكلمات اللهِ التي أنزلها عليه، وبكلماته التي أنزلها على النبيين مِن قبلِه، ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾: يعني واتَّبعوا هذا الرسول والتزِموا العمل بسُنَّتِه، لِتُوَفَّقوا إلى الطريق المستقيم، الذي هو طريق سعادتكم في الدنيا والآخرة (وفي هذا دليل على أنَّ الهُدَى في اتَّباع سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم).

الآية 159:

﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ ﴾:
يعني: ومِن بني إسرائيل – على عهد موسى – جماعةٌ ﴿ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ﴾: أي يَستقيمون على الحق، ويَهدون الناسَ إليه، ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ في الحُكم في قضاياهم، فيَحكمون بالحق والعدل على أنفسهم وعلى غيرهم.

 لمسات بيانيه

قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ (157)) انظر إلى رحمة الله تعالى المنزلة على عباده. فقد عبّر عنها بالكتابة وأعرض عن لفظ العطاء فقال (فَسَأَكْتُبُهَا) ولم يقل فسأعطيها، أتعلم لم قال ذلك؟( ورتل القرآن ترتيلاً)

لأن الكتابة قيدٌ للعطاء المحقق حصوله المتجدد مرة بعد مرة. فالذي يريد تحقيق عطاء يتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة ليصونه عن النكران ويصونه من النقصان والرجوع. وتسمى الكتابة عهداً والله لا يخلف عهده سبحانه وتعالى. ولو كان العطاء لمرة واحدة لم يحتج للكتابة كقوله (إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا (282) البقرة).

وقفات تدبريه

١﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾
عمت كل شيء؛ قال الحسن وقتادة: وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. البغوي:2/157.

٢﴿ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾
أي: يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمّة. ابن جزي:1/319.
هذه الآيه بشاره لهذه الأمه دون غيرها .

٣﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾
ومن تمام الإيمان بآيات الله: معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك: اتباع النبي-صلى الله عليه وسلم- ظاهراً وباطناً، في أصول الدين وفروعه. السعدي:305.

٤﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ ﴾
فإن أميته لم تكن من جهة فقد العلم والقراءة عن ظهر قلب؛ فإنه إمام الأئمة في هذا، وإنما كان من جهة أنه لا يكتب ولا يقرأ مكتوبا. ابن تيمية:3/210.

٥﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
الإصر: الثقل … فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهداً أن يقوموا بأعمال ثقال؛ فوضع عنهم بمحمد ﷺ ذلك العهد، وثقل تلك الأعمال؛ كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض، ومؤاكلتها. القرطبي:9/356.

٦﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾
وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال، المناقضة للهداية، فرُبَّمَا توهم متوهم أن هذا يعم جميعَهم، فذكر تعالى أن منهم طائفةً مستقيمة،هاديةًمَهْدِيَّةً.
السعدي:306.

التوجيهات

1- تقوى الله، وأداء الزكاة والصدقات سبب لحصول الرحمة، ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾

2- ما أحله الله لك فهو الطيب المناسب لك، وما حرمه عيك ففيه المفاسد العاجلة والآجلة، ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ ﴾

3- من أراد الهداية العامة والخاصة، العاجلة والآجلة، فليلزم اتباع الحبيب ﷺ بالأدلة الصحيحة، ﴿ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

 العمل بالآيات

1- اقرأ كتابا، أو مقالا تتعرف فيه على شمائل النبي ﷺ وصفاته, ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ ﴾

2- تذكر سنة كنت غافلا عنها من سنن النبي ﷺ، وطبقها, ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ﴾

3- درب نفسك اليوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو على صديقك أو أحد من أهلك، ﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ﴾

IMG-20160308-WA0008 IMG-20160308-WA0004 IMG-20160308-WA0002
————————————————-

الوجه (٢١) من الاعراف

من ايه(١٦٠↔١٦٣)

   ص١٧١

IMG-20160310-WA0011

تفسير مبسط للوجه(٢١)
لسورة الأعراف ص(٢١)

الآيه ١٦٠:

﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾: أي وفَرَّقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة بنفس عدد الأسباط (وهم أبناء يعقوب عليه السل ام)، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ أي حين طلب منه قومه السُقيا – عندما حلَّ بهم العطش الشديد – فأوحينا إليه ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ فضَرَبَهُ ﴿ فَانْبَجَسَتْ ﴾: أي فانفجرت ﴿ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ من الماء بعدد قبائل بني إسرائيل الاثني عشر، ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾: أي قد عَلِمَتْ كُلُّ قبيلةٍ مَوضع شُربها
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ ﴾ وهو السحاب، ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ ﴾ وهو شيءٌ يُشبِهُ الصَّمغ، طعمه كالعسل، ﴿ وَالسَّلْوَى ﴾
وهو طائرٌ يُشبِهُ السُّمَّانى.

  • وقلنا لهم: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾، فكَرِهوا ذلك ومَلُّوا منه، وقالوا: (لن نصبر على طعامٍ واحد)، وطلبوا استبدال الأدنَى بالأفضل، ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ حينَ لم يَشكروا نِعَمَنا عليهم، ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ إذ فَوَّتوا عليها كل خير، وعرَّضوها لكل بلاءٍ وشَرّ.

الآية١٦١،والآيه١٦٢:

﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾: يعني واذكر أيها الرسول عِصيان بني إسرائيل حينَ قلنا لهم
﴿ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ وهي مدينة بيت المَقدس، ﴿ وَكُلُوا مِنْهَا ﴾ أي مِن ثمارها وحبوبها
﴿ حَيْثُ شِئْتُمْ ﴾ ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾: أي نسألك يارب أن تَحُطَّ عنا ذنوبنا، ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ ﴾ أي باب القرية
﴿ سُجَّدًا ﴾: يعني وكونوا في دخولكم خاضعينَ للهِ، ذليلينَ له،فإنْ تفعلوا ذلك: ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ﴾ فلا نؤاخذكم عليها، ﴿ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾
مِن خَيْرَيِ الدنيا والآخرة،
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾، واستهزءوا بدين اللهِ تعالى ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا ﴾ أي عذابًا ﴿ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ أي بسبب ظُلمهم وعِصيانهم.

الآية ١٦٣:

﴿ وَاسْأَلْهُمْ ﴾: أي واسأل أيها الرسول هؤلاء اليهود
﴿ عَنِ ﴾ خبر أهل ﴿ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ أي التي كانت قريبة من البحر – وكان أهلها من اليهود – ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾: أي حينَ كانوا يَعتدون في يوم السبت على حُرُمات اللهِ تعالى، فقد أمَرَهم سبحانهُ أن يُعظموا يوم السبت ولا يَصيدوا فيه الأسماك، ثم امتحنهم سبحانهُ وتعالى، فقال: ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾: يعني فكانت حِيتانُهُم تأتيهم يوم السبت:
﴿ شُرَّعًا ﴾: أي ظاهرة على وجه البحر، ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ﴾: يعني وإذا ذهب يوم السبت، تذهب الحِيتان في البحر، ولا يرون منها شيئًا، فكانوا يقومون بِحَبْسِها يوم السبت – في الشِباك والبِرَك التي حفروها -، ثم يصطادونها يوم الأحد كَحِيلةٍ للوصول إلى المُحرَّم، ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾: أي وكذلك نَختبرهم ونَفتنهم، ونُشَدِّد عليهم فيما نُشَرِّعُ لهم (عقوبةً لهم) لخروجهم عن طاعتنا.

التوجيهات

1- إذا أنعم الله على عبد أو أمة نعمة ولم يشكرها سلبت منه، ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴾

2- الفسق والمعاصي سببٌ لحصول ابتلاءاتٍ قد لا يستطيع الإنسان الثبات فيها، ﴿ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴾

3- إذا وجدت البلاء نزل بك، فتذكر معصية فعلتها ثم أكثر من الاستغفار منها، ﴿ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴾

العمل بالآيات

1- تدرب على الترتيب، وضع جدولاً أسبوعيًا لأعمالك واحتياجاتك، ﴿ وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾

2- استبدل بالطعام المشتبه به طعاما حلالا؛ فللطعام أثر على العبادة، والتفكير، والسلوك، ﴿كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

3- اقرأ قصة أصحاب السبت، وتعلّم منها خطورة التحايل على شرع الله، ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴾

IMG-20160310-WA0005 IMG-20160310-WA0009 IMG-20160310-WA0007

—————————————–

تفسير مبسط للوجه(٢٢ )

IMG-20160322-WA0014

من سورة الاعراف ص١٧٢

(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
[سورة اﻷعراف 163]

وَاسْأَلْهُمْ أي: اسأل بني إسرائيل عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب اللّه إياهم. إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ وكان اللّه تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم اللّه وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا أي: كثيرة طافية على وجه البحر. وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ أي: إذا ذهب يوم السبت لا تَأْتِيهِمْ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم اللّه، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم اللّه،

ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
[سورة اﻷعراف 164]

معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك.
وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم.
وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم،

وقالوا لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد.

 فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: لنعذر فيهم. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم. وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
[سورة اﻷعراف 165]

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم. أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهكذا سنة اللّه في عباده، أن العقوبة إذا نـزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

 وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الذين اعتدوا في السبت بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي: شديد بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ

وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون. فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا)فأبدوا من غضبهم عليهم ،مايقتضي أنهم كارهون أشد الكراهه لفعلهم، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة.

(فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
[سورة اﻷعراف 166]

فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)
[سورة اﻷعراف 167

وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي: أعلم إعلاما صريحا: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي: يهينهم، ويذلهم.

إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ.

(وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
[سورة اﻷعراف 168]

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، وَبَلَوْنَاهُمْ على عادتنا وسنتنا، بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ أي: بالعسر واليسر. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
[سورة اﻷعراف 169]

فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة.

يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم – إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى – يأخذوه.

فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه [تعالى] في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم. و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة،

 ولهذا قال: وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنـزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات. أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.

(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)
[سورة اﻷعراف 170]

وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟ وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات.

ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.

وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم.
لمسات بيانية

آية (163):

*(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (163)) سوف تجد إذا ما استعرضت القصة أن أسلوب الخبر قد تغير من الطلب إلى الإخبار فابتدأ هنا بطلب أن يسأل سائل بني إسرائيل  لحاضرين عنها فقال (واَسْأَلْهُمْ) فهل لهذه القصة شأن غير شأن القصص الماضية؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

نعم، ففي هذا التعبير إيماء إلى أن هذه القصة ليست كما كتبت في توراة اليهود لأن كتب أنبيائهم حرّفت وغُيّرت ولكن أحبارهم يعلمون حقيقة ما جرى مع أسلافهم ولذلك افتتحت بسؤالهم بصيغة الأمر (واَسْأَلْهُمْ) لإشعار يهود العصر النبوي بأن الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم وهم كانوا يكتمونها فعلمه الله من أحوالهم ما فيه معجزة لأسلافهم.

(إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً (163)) تأمل هذا التمثيل الرائع في تصوير إتيان الحيتان شُرّعاً. فحقيقة الشروع إنما تطلق لإتيان الإبل والنعم نحو الماء لتشرب وفي هذه الكلمة إضافة لمسة فنية على البيان القرآني لتمثيل حالة الحيتان في كثرتها واصطفائها بحال الإبل إذا شرعها الرعاة تسابقت إلى الماء فاكتظت وتراكضت وهذا شأن الحيتان هنا فهي لا تأتي إلى الشط وحسب بل وتتسابق في الإجتماع حتى تملأ المكان وتغري الصُياد بأخذها.

آية (167):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (167)) تأمل دقة اللفظ القرآني الذي ينقلك إلى جو الحدث والقصة ويضعك أمام أحداثها فالله جل جلاله قال (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) ولم يقل ليرسلن إليهم ليدل على تمكن من يسومهم سوء العذاب من رقابهم فحرف الجر (عليهم) يدل على التمكن والفوقية وزاد الفعل (لَيَبْعَثَنَّ) الأمر وضوحاً فهو فعل مضارع يدل على التجدد في أوقات مختلفة ولكنه لا يقتضي الإستمرار يوماً فيوم فهم قد ذاقوا ألوان العذاب حيناً بعد حين وإن لم يستمر فيهم.

لمسات بيانية

آية (169):

* (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا (169)) قال بنو إسرائيل سيغفر لنا ولم يقولوا سيغفر الله لنا مع أنهم يعلمون أن المراد هو الله فلِمَ بنوا الفعل للمجهول وقالوا (سَيُغْفَرُ)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً)

 أرادوا بهذا البناء العموم في المغفرة لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم ولذلك حذفوا نائب الفاعل أيضاً فلم يقولوا سيغُفر لنا ذنبنا وما الباعث على ذلك إلا اعتقادهم الخاطئ بأن ذنوبهم كلها مغفورة دون سبب المغفرة من توبة وإنابة واستغفار.

التوجيهات:

1- المثبطون عن قول الحق موجودون في كل زمان ومكان، فاحذرهم، ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

2- لا تنسَ ولا تتهاون في الأخذ بنصيحة من يعظك ويذكرك بالله، ﴿ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴾

3- تحسن أحوالك أو سوؤها ابتلاءٌ من الله سبحانه وتعالى، فارتبط بالله أكثر عند تغيرها، ﴿وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

العمل بالآيات:

1- قل: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك»، ﴿ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾

2- اقرأ سورة من قصار المفصل، وطبق ما فيها من أعمال، ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ﴾

3- حافظ على الصلوات المفروضة مع الجماعة، ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾

IMG-20160322-WA0010 IMG-20160322-WA0004 IMG-20160322-WA0008 IMG-20160322-WA0006 IMG-20160322-WA0012 IMG-20160322-WA0001

————————————————-

تفسير مبسط للوجه ٢٣

IMG-20160324-WA0010
من سورة الاعراف ص ١٧٣

الآية 171:

﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا ﴾: يعني واذكر أيها الرسول حين رَفعْنا ﴿ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ﴾ أي فوق بني إسرائيل
﴿ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾: يعني كأنه سحابة تُظِلُّهم،
﴿ وَظَنُّوا ﴾: يعني وأيْقَنوا (أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ) أي ساقطٌ عليهم إن لم يَقبلوا أحكام التوراة،
وقلنا لهم: ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾: أي اعملوا بما أعطيناكم باجتهادٍ، ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾: أي ولا تنسوا التوراة قولاً وعملاً ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾:
يعني لِكَي تتقوا ربكم فتنجوا
من عقابه.

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ)
[سورة اﻷعراف 172]

يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن.

و حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم.

قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم. فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.

(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)
[سورة اﻷعراف 173]

أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم.

 أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه.

 نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته،

(وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
[سورة اﻷعراف 174]

وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ أي: نبينها ونوضحها، وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى ما أودع اللّه في فطرهم، وإلى ما عاهدوا اللّه عليه، فيرتدعون عن القبائح.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)
[سورة اﻷعراف 175]

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا أي: علمناه كتاب اللّه، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات اللّه، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب اللّه وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس.

 فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ بعد أن كان من الراشدين المرشدين.

(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
[سورة اﻷعراف 176]

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. وَلَكِنَّهُ فعل ما يقتضي الخذلان، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وترك طاعة مولاه،

فَمَثَلُهُ في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا، حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا.

 ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا بعد أن ساقها اللّه إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على اللّه، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من اللّه.

 فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا.

(سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ)
[سورة اﻷعراف 177]

سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات اللّه، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء

(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
[سورة اﻷعراف 178]

قال تعالى مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم فَهُوَ الْمُهْتَدِي حقا لأنه آثر هدايته تعالى، وَمَنْ يُضْلِلِ فيخذله ولا يوفقه للخير فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.

لمسات بيانية

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا (172)) قد يظن الظانّ أن حرف الجر (بلى) مساوٍ لـ (نعم) وهذا خطأ شائع. فلو أجابت الأنفس بـ (نعم) لكان ذلك كفراً، فكيف ذلك؟  (ورتل القرآن ترتيلاً)

إن الحرف (بلى) هو حرف جواب لكلام فيه معنى النفي فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي. أما الحرف (نعم) فهم يحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي. فلو قال المرء لصديقه (ألست صديقك؟) فأجابه بـ (نعم) لكان المعنى لا لست صديقي وأما (بلى) فيعني بل أنت صديقي.

آية (175):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)) تأمل هذا اللفظ الذي يرسم لك صورة متكاملة. فكلمة (فَانسَلَخَ) ترسم صورة عنيفة قاسية للتخلص من آيات الله بظلِّها الذي تلقيه في خيال القارئ لأن الإنسلاخ حركة حسّية قوية. ونحن نرى هذا الكافر ينسلخ من آيات الله انسلاخاً، ينسلخ كأنما الايات أديم له متلبس بلحمه فهو ينسلخ منه بعنف وجهد ومشقة انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه.

(فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ (175)) هذه صورة أخرى تلتصق بأختها لتكمل سلسلة الخيال في الآية. فهي حركة إنسان ضالٍ انسلخ عن آيات الله وسار في طريق الضلال فتبعه الشيطان بهدف غوايته حتى لا يفكر في العودة إلى الآيات التي انسلخ عنها وخلّفها وراءه.

 لمسات بيانية

ما الفرق بين استعمال كلمة ” الجبل ” و ” الطور ” في سورة البقرة والنساء والأعراف؟
قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {63}) وقال في سورة النساء (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً {154}) وقال في سورة الأعراف (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {171}).

أما من حيث التقديم والتأخير هو قائم على الإهتمام الذي يقتضيه سياق الآيات سواء كان فاضل أو مفضول وإنما للأهمية.

 في سورة البقرة (ورفعنا فوقكم الطور) فوقكم أهمّ من الطور نفسه وكذلك في آية سورة النساء أما آية سورة الأعراف فالجبل أهم من فوقهم.

في آية سورة الأعراف وصف تعالى الجبل كأنه ظُلّة وذكر (وظنوا أنه واقع بهم) ومعنى (واقع بهم) أي أوقع بهم أو أهلكهم وهذا كله له علاقة بالجبل فالجبل في الأعراف أهمّ. ولم يذكر عن الطور شيئاً آخر في سورة البقرة أو النساء.

آية البقرة والنساء يستمر الكلام بعد الآيات على بني إسرائيل حوالي أربعين آية بعد الآية التي جاء فيها ذكر الطور لذا قدّم (فوقهم) في سورة النساء و(فوقهم) في سورة البقرة على سورة الطور للأهمية. أما في سورة الأعراف فبعد الآية التي تحدث فيها عن الجبل انتهى الكلام عن بني إسرائيل ولم يذكر أي شيء عنهم بعد هذه الآية لذا قدّم الجبل.

والجبل : هو إسم لما طال وعظُم من أوتاد الأرض والجبل أكبر وأهم من الطور من حيث التكوين. أما النتق فهو أشد وأقوى من الرفع الذي هو ضد الوضع. ومن الرفع أيضاً : الجذب والإقتلاع وحمل الشيء والتهديد للرمي به وفيه إخافة وتهديد كبيرين ولذلك ذكر (الجبل) في آية سورة الأعراف لأن الجبل أعظم ويحتاج للزعزعة والإقتلاع وعادة ما تُذكر الجبال في القرآن في موقع التهويل والتعظيم ولذا جاء في قوله تعالى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ {143}) ولم يقل (الطور) . إذن النتق والجبل أشد تهديداً وتهويلاً.

لمسات بيانية

آية (178):

* ما دلالة ذكر وحذف الياء في قوله تعالى (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (97) الإسراء) و(مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي (178) الأعراف)؟(د.فاضل  السامرائى)

المهتدي أطول من المهتدِ. لما يكون أطول يكون فيه هداية أكثر إضافة إلى أمر آخر. نضرب مثالاً: (مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي (178) الأعراف) قبلها قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الأعراف) هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها هل كان مهتدياً أول مرة أم لا؟ كان مهتدياً لكن كان يحتاج إلى قدر من الهداية أكبر حتى لا ينسلخ لذلك عقّب عليها بـ (المهتدي) لأن الهداية التي كانت عنده ما عصمته من الإنسلاخ فكان يريد هداية أكثر وأطول حتى يرسخ ولا يزل ولا يضل لذلك عقب (فهو المهتدي) مثل قوله تعالى (ذلك ما كنا نبغي). أما في سورة الإسراء (فهو المهتدِ) في قوله تعالى (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) الإسراء) هؤلاء من أصحاب النار. ما الذي ينجي من الخلود في النار؟ أن يكون عنده هداية بسيطة (شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله) وقسم من الفروض. كانت تكفيهم قدر بسيط من الهداية يخرجهم من هذا. أما ذاك فكان يحتاج إلى هداية كبيرة حتى لا ينسلخ، أما هؤلاء فتكفيهم هداية قليلة.

الوقفات التدبرية

١﴿ أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾
فقد أودع الله في فِطَرِكم ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه. نعم … قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيناته وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق. السعدي:308.
السؤال: لماذا يتبع بعض الناس آراء آبائهم ويترك ما جاء به المرسلون؟

٢﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾
انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله؛ فإن العلم بذلك يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس، فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان؛ أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا (فَكانَ مِنَ الغَاوِينَ) بعد أن كان من الراشدين المرشدين. السعدي:309.
السؤال: ما خطورة ترك التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى بعد دراسته وعلم ما فيه؟

٣﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾
لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه، وإدامة إضلاله؛ فالانسلاخ على الآيات أثر من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده فسخره، وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بــــ(فَأَتبَعَهُ) فصار بذلك في زمرة الغواة المتمكنين من الغواية. ابن عاشور:9/176.
السؤال: ما خطورة الاستسلام لوساوس الشيطان؟

٤﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾
وفي هذه الآيات: الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى وإخلاد العبد إلى الشهوات يكون سبباً للخذلان. السعدي:308.
السؤال: من خلال الآيات: ما أهمية العمل بالعلم؟

٥﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾
وقوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْناهُ بِهَا) أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سببا للهداية والتزكية لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم؛ فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرفعه الله بعلمه. ابن عاشور:9/176.
السؤال: آيات القرآن الكريم سبب للهداية، بين ذلك؟

٦﴿ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ ﴾
قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء، أو عطش، إلا الكلب؛ فإنه يلهث في حال الكلال، وفي حال الراحة، وفي حالة العطش، فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال؛ كالكلب: إن طردته يلهث، وإن تركته على حاله يلهث.البغوي:2/175.
السؤال: لماذا شبه من يُوعظ ولم يتعظ بالكلب؟

٧﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾
وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال. ابن عاشور:9/180.
السؤال: دلت الآية الكريمة أنه ينبغي التوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية، كيف ذلك؟

التوجيهات

1- من أسباب التقوى: أخذ الكتاب وأحكامه بقوة واجتهاد، ومدارسة ما فيه، ﴿ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

2- ذكر القصص أسلوبٌ دعوي ناجع أمر به الله سبحانه، ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

3- الهداية والإضلال بيد الله سبحانه، فاسأل الله الهداية، ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾

العمل بالآيات

1- ألق كلمة في حلقة القرآن، أو أرسل رسالة عن خطورة تعلم العلم أو حفظ القرآن لغير وجه الله تعالى، ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾

2- اقرأ من كتب التفسير قصة الرجل الذي تكلمت عنه الآية، ثم استخرج أهم فوائدها، ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾

3- تجنب اليوم كل أمر يشغلك عن كتاب الله تعالى، ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ﴾

IMG-20160324-WA0003 IMG-20160324-WA0005 IMG-20160324-WA0001 IMG-20160324-WA0009 IMG-20160324-WA0007

————————————————-

تفسير مبسط للوجه      (٢٤)من سورة المائدة
ص١٧٤

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)
[سورة اﻷعراف 179]

يقول تعالى مبينا كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا أي: أنشأنا وبثثنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ صارت البهائم أحسن حالة منهم.

 لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام الحجة.

وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا ما ينفعهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها.

 وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا سماعا يصل معناه إلى قلوبهم.

أُولَئِكَ الذين بهذه الأوصاف القبيحة كَالأنْعَامِ أي: البهائم، التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى، فسلبوا خاصية العقل. بَلْ هُمْ أَضَلُّ من البهائم، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان، تدرك بها، مضرتها من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالا منهم.

 أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الذين غفلوا عن أنفع الأشياء، غفلوا عن الإيمان باللّه وطاعته وذكره. خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار، لتكون عونا لهم على القيام بأوامر اللّه وحقوقه، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود.

فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم وخلقهم لها، فخلقهم للنار، وبأعمال أهلها يعملون.

وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة اللّه، وانصبغ قلبه بالإيمان باللّه ومحبته، ولم يغفل عن اللّه، فهؤلاء، أهل الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون.

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[سورة اﻷعراف 180]

هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه، بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح، لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها.

 وذلك نحو العليم الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

و كالرحيم الدال على أن له رحمة عظيمة، واسعة لكل شيء.

 ولذلك قال: فَادْعُوهُ بِهَا وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلا اللّهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزاق،

وقوله: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه، وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده اللّه ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها،

 فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم ( أن للّه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة )

(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)
[سورة اﻷعراف 181]

أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، يهدون أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلِّمونه، ويدعون إليه وإلى العمل به.

وَبِهِ يَعْدِلُونَ بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق والمقالات، وغير ذلك، وهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين أنعم اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهم الصديقون الذين مرتبتهم تلي مرتبة الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة كل بحسب حاله وعلو منـزلته، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم.

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)
[سورة اﻷعراف 182]

أي: والذين كذبوا بآيات اللّه الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من الهدى فردوها ولم يقبلوها. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ بأن يدر لهم الأرزاق.

(وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)
[سورة اﻷعراف 183]

وَأُمْلِي لَهُمْ أي: أُمْهِلُهُم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا وطغيانا، وشرا إلى شرهم، وبذلك تزيد عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولهذا قال: إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: قوي بليغ.

(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)
[سورة اﻷعراف 184]

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ محمد صلى الله عليه وسلم مِنْ جِنَّةٍ أي: أَوَ لَمْ يُعْمِلُوا أفكارهم، وينظروا: هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودله وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. أفبهذا يا أولي الألباب من جنة؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين، والماجد الكريم، والرءوف الرحيم؟ ولهذا قال: إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب.

(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)
[سورة اﻷعراف 185

أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فإنهم إذا نظروا إليها، وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات الكمال. و كذلك لينظروا إلى جميع مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على اللّه وقدرته وحكمته وسعة رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح الموحد المحبوب.

 وقوله: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك الفارط.

فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟\” أبكتب الكذب والضلال؟ أم بحديث كل مفتر دجال؟ ولكن الضال لا حيلة فيه، ولا سبيل إلى هدايته.

(مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
[سورة اﻷعراف 186]

مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي: متحيرين يترددون، لا يخرجون منه ولا يهتدون إلى حق.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
[سورة اﻷعراف 187]

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: يَسْأَلُونَكَ أي: المكذبون لك، المتعنتون عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا أي: متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟

 قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي أي: إنه تعالى مختص بعلمها، لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو.

ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض، واشتد أمرها أيضا عليهم، فهم من الساعة مشفقون.

 لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً أي: فجأة من حيث لا تشعرون، لم يستعدوا لها، ولم يتهيأوا لقيامها.

 يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك – لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه – غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه.

قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه.

لمسات بيانية

آية (179):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179))

 انظر إلى قوله (أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ) جعلها الله كلمة مستأنفة وابتدأ بها الكلام لتصوير فظاعة حالهم ولتكون أدعى للسامعين. ثم جيء باسم الإشارة (أُوْلَـئِكَ) لزيادة تمييزهم بتلك الصفات وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام أو جعلهم أضل من الأنعام. ثم أتبع ذلك بـ (بل)فقال (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) للانتقال والترقي في التشبيه بالضلال ووجه كونهم أضل من الأنعام أنها لا يبلغ بها الضلال إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي.

* (د.أحمد الكبيسى):

قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴿179﴾ الأعراف) الذرء هو المحروقات المعدة للحرق يعني سابقاً لم يكن في بترول فكانوا يستخدمون الخِرَق والحشيش والحطب اليابس يجعلونه في مخزن لكي يحرقوا به الحمامات يحرقوا به الطبخ يحرقوا به أشياء يعني المحروقات المعدة للحرق هذا الذرء فرب العالمين أعد بعض عباده لهذا لكي يكون محروقات لجهنم (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴿6﴾ التحريم) .

لمسات بيانية

آية (187):

*ورتل القرآن ترتيلاً:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (187)) صيغ الكلام في الآية على الاستعارة فما من شك أننا نعلم أن الإرساء إنما يطلق للسفينة إذا استقرت في الشط. وأطلق هنا على الساعة تشبيهاً لوقوع الأمر الذي كان مرتقباً أو متردداً فيه بوصول السائر في البحر إلى المكان الذي يريده. فالساعة تقترب كلما مضى يوم حتى تبلغ النهاية كما أن السفينة تقترب كلما مر يوم وهي تسير حتى تبلغ منتهاها ومرساها في الشط.

الوقفات التدبرية

١﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ﴾
ليس المعنى نفي السمع والبصر جملة، وإنما المعنى نفيها عما ينفع في الدين. ابن جزي:1/330.

٢﴿ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ﴾
لأنهم لا يهتدون إلى ثواب، فهم كالأنعام؛ أي: همتهم الأكل والشرب، وهم أضل؛ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها،

٣﴿ وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾
سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده، وكرمه،

٤﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ ﴾
أي: اطلبوا منه بأسمائه؛ فيطلب بكل اسم ما يليق به؛ تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي .القرطبي:9/393.

٥﴿وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴾
والمراد من ترك الذين يلحدون في أسمائه: الإمساك عن الاسترسال في محاجتهم؛ لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق، أو: ترك الإصغاء لكلامهم؛ لئلا يفتنوا عامة المؤمنين بشبهاتهم. ابن عاشور:9/189.
ا

٦﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴾
فدلت الآية على أن الله- عز وجل- لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق. القرطبي:9/397.

٧﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴾
قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم، ويهلكهم، وقال الضحاك: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة، قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. البغوي

التوجيهات:

1- استعمل جوارحك فيما خلقت له، ﴿ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ﴾

– احذر مكر الله سبحانه وتعالى فيما أنعم به عليك، ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

3- لا تغتر برؤية العاصي بعافية ومظهر حسن؛ فربما كان هذا استدراجا له، ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 العمل بالآيات

1- اسأل الله تعالى صلاح قلبك، وأن يمتعك بسمعك وبصرك في طاعته, ﴿ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ﴾

2- قل: «اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه»، ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴾

3- تعرف على معاني أسماء الله الحسنى، ثم ادع الله تعالى بها في مظان الإجابة؛ كأن تقول: «يا رحيم ارحمني»، «يا شكور اقبل عملي»، ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ﴾

Comments are closed.