RSS
 

لمسات و متشابهات و أسباب النزول لسورة القصص

لست أنا من أعد هذا المحتوي، أنا أنشره فقط، جزي الله كل خير لمن أعتده

المصادر:

التفسير السعدي

أسباب النزول للنيسابوري

لمسات بيانية لفاضل السمارائي

متشابهات للكسائي

كتاب نظم الدررلتناسب الايات و السور

الصفحة الأولي

الصفحة الثانية

الصفحة الثالثة

الصفحة الرابعة

الصفحة الخامسة

الصفحة السادسة

الصفحة السابعة

الصفحة الثامنة

الصفحة التاسعة

الصفحة العاشرة

الصفحة الحادية عشر

سورة الفرقان: سورة القصص

?التعريف بالسورة

1)مكية .ماعدا الآيات من ” 52 : 85 ” فمدنية

2)من المثاني

3)آياتها 88

4)ترتيبها الثامنة والعشرون

5)نزلت بعد سورة ” النمل “

6)بدأت السورة بحروف مقطعة ” طسم “

7) الجزء “20”

?سبب التسمية:-
سميت” ‏سورة ‏القصص” ‏لأن ‏الله ‏تعالى ‏ذكر ‏فيها ‏قصة ‏موسى ‏مفصلة ‏موضحة ‏من ‏حين ‏ولادته ‏إلى ‏حين ‏رسالته ‏وفيها ‏من ‏غرائب ‏الأحداث ‏العجيبة ‏ما ‏يتجلى ‏فيه ‏بوضوح عناية ‏الله ‏بأوليائه ‏وخذلانه ‏لأعدائه‎ .‎‏

مقصد السورة
الثقة بوعد الله سبحانه وتعالى وأنه متحقق لا محالة لكل من حقق العبودية له سبحانه واثقًا أنه صاحب القوة وحده؛ فمن كانت معه هذه القوة فلا خوف عليه، ومن كانت عليه فلا أمن له.

⚡أسباب نزول السورة :

1)نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي بعظمته في اليهود ومنزلته فيهم وقد ستر بينه وبينهم سترا فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال :أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم ؟ قالوا ذاك سيدنا وأعلمنا قال أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني ؟ قالوا لا يفعل ذاك هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك قال أرايتم ان فعل ؟ قالوا لا يفعل قال : أرايتم إن فعل ؟ قالوا إذا فعل … قال اخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال ابسط يدك أشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه فوقعوا به وشتموه وقالوا والله ما فينا أحد أقل علما منه ولا أجهل بكتاب الله منه قال ألم تثنوا عليه أنفا ؟ قالوا إنا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه فجعلوا يشتمونه فقام إليه امين بن يامين فقال أشهد أن عبد الله بن سلام صادق فابسط يدك فبايعه فأنزل الله فيهم هذه الآية .

2) عن علي بن رفاعةقال: كان أبي من الذين آمنوا بالنبي من أهل الكتاب وكانوا عشرة فلما جاءوا جعل الناس يستهزئون بهم ويضحكون منهم فأنزل الله ” أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا “

3) عن سعيد بن المسيب عن عبيه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن امية فقال رسول الله يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أُحًاجّ لك بها عند الله سبحانه وتعالى فقال ابو جهل وعبد الله بن ابي امية أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كَلَّمَهُم به أنا على ملة عبد المطلب وأبى ان يقول لا اله الا الله فقال رسول اللهلاستغفرن لك ما لم أُنْه عنك فانزل الله عز وجل (ما كان للنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى) الآية وانزل في ابي طالب (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ).

4) عن ابي هريرة قال قال رسول الله لعمه قل لا اله الا الله اشهد لك بها يوم القيامة قال لولا ان تعيرني نساء قريش يقلن انه حمله على ذلك الجزع لاقررت بها عينك فانزل الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )

تناسب نهاية سورة النمل مع بداية سورة القصص

?أواخر سورة النمل وأوائل سورة القصص بحديثهما معاً عن تلاوة القرآن {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} و {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ*نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْن} وحديثهما عن منة الله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه} {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} وأما قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، فقد تناسب مع قوله تعالى: في سُوْرَة الْقَصَصِ {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً}.
إذ تناسب الكلام عن عدم غفلة الله تعالى وحاشاه عن افعال العباد، وعن علو فرعون في الأرض ثم تناسب أيضاً قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}  مع أوائل السورة في ايراد الاحرف المقطعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى  {طسم}، وليس بينهما الا فاصل البسملة فكل هذا يرجح الرأي الذي نذهب اليه من ان القرآن الكريم قطعة واحدة في السبك والصياغة والبلاغة

معاني كلمات الوجه الأول من أية 1←5

*علا في الأرض:- تجبّرَ وطغى في أرض مصر

*شِـيَعا:- أصنافا في الخدمة والتـّـسخير والإذلال

*يستحيي نساءهم:- يستبقي بَناتهم للخدمة

تفسير مبسط لﻷيات

تلك آيات الكتاب المبين “

” تِلْكَ ” الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم ” آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ” لكل أمر يحتاج إليه العباد, من معرفة ربهم, ومعرفة حقوقه, ومعرفة أوليائه وأعدائه, ومعرفة وقائعه وأيامه, ومعرفة ثواب الأعمال, وجزاء العمال.
فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين وجلَّالها للعباد ووضحها.

” نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون “

ومن جملة ما أبان قصة موسى وفرعون فإنه أبداها وأعادها في عدة مواضع. وبسطها في هذا الموضع فقال: ” نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ” .
فإن نبأهما غريب وخبرهما عجيب. ” لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ” فإليهم يساق الخطاب ويوجه الكلام.
حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبُّر ذلك وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر, ويزدادون به إيمانا ويقينا وخيرا إلى خيرهم. وأما من عداهم, فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم, وصانه اللّه عنهم, وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه.

” إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين “

فأول هذه القصة ” إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ” في ملكه وسلطانه, وجنوده, وجبروته, فصار من أهل العلو فيها, لا من الأعلين فيها. ” وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ” أي: طوائف متفرقة, يتصرف فيهم بشهوته وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. ” يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ” وتلك الطائفة, هم: بنو إسرائيل, الذين فضلهم اللّه على العالمين, الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلهم. ولكنه استضعفهم بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم. فصار لا يبالي بهم ولا يهتم بشأنهم, وبلغت به الحال, إلى أنه ” يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ” خوفا من أن يكثروا فيغمروه في بلاده ويصير لهم الملك. ” إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ” الذين لا قصد لهم في صلاح الدين ولا صلاح الدنيا, وهذا من إفساده في الأرض.

” ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين “

” وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ” بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف, ونهلك من قاومهم, ونخذل من ناوأهم. ” وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ” في الدين, وذلك لا يحصل مع استضعاف, بل لا بد من تمكين في الأرض, وقدرة تامة.
” وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ” للأرض, الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.

⭕متشابهات⭕

⚡طسم ” ( بداية سورتى القصص , الشعراء )

⚡” تِلْكَ ءِايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين ” ( القصص 2 , الشعراء 2 , يوسف 1 )
↩” تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم ” ( يونس 1 , لقمان 2 )
↩” تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَاب ” (الرعد 1)
↩” تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُبِين ” ( الحجر 1)
↩” تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِين ” ( النمل 1)

وقفات تدبرية

1- {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)}
?نبأ موسى وفرعون يتلى بالقرآن وشخوصهم لاتزال موجودة في واقعنا الحالي! والذي يطمئن ان الحق منصور

2-{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4)}
?إن وجدت شخص على غير نهج الحق وقد بلغ من النفوذ والسطوة مبلغا فاعلم انه استعمل الظلم  ..وكل ظالم له يوم
?أسوأ الخواتيم خاتمة الذي تجبر فجعل الناس شيعا يستضعف بعضهم ويقتل بعضا

?لا أحد يتجبر على الضعفاء إلا من لم يعرف سنن الله في خلقه وفي الحياة فالضعيف اليوم قوي غدا وسيقتص من جلاده

3- {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)}

?سبب نصرة الله للمستضعف الذي لا سند له لأنه اكثر الناس تعرضا للظلم، والله لايحب الظلم

?من تدبر كتاب الله وقرأ التأريخ علم أن النصر يأتي بعد القهر والاستضعاف

?العدل يرفع الضعيف والظلم يضع القوي وهذه سنّة الله في الناس

?لا تظن ان كل شخص ارتفع قدره ورفعه علمه وصل لهذه المنزلة بالهين وبكل يسر ! دعه يحدثك عن دروب الشوك ومرارة العلقم

?من أعظم نعم الله أن يجعل الضعفاء ينتصرون لأنفسهم بلا منّة الأقوياء

?العدل يرفع الضعيف، والظلم يضع القوي وهذه سنّة الله في الناس

————————————————–

معاني كلمات الوجه الثاني من ايه 6←13

*يحذرون:- يخافون من ذهاب مُلكهمْ

*كانوا خاطئين:- مُذبذبين آثمين

*قرّة عين:- هو مسرّة وفرح ٌ

*فارغًا:- خاليا من كلّ ما سِوى موسى

*لَتبدي به:- لَتصَرّح بأنه ابنها لشدّة وَجْدِها

*رَبَطنا:- بالعصمة والصبر والتّثبيت

*قصّيه:- اتّبعي أثره وتعرّفي خبره

*فبَصُرت به:- أبْصَرت

*عن جُنُب:- عن بُعْد أو عن مكان بعيد

*يكفلونه لكم:- يقومون بتربيته لأجلكم

*تقرّ عينها:-تـُـسرّ وتـَفرح بولدها

تفسير اﻷيات 6←13

” وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ” فهذه الأمور كلها, قد تعلقت بها إرادة اللّه وجرت بها مشيئته.
وكذلك نريد أن ” وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ” وزيره ” وَجُنُودَهُمَا ” الذين بهم صالوا وجالوا, وعلوا وبغوا ” مِنْهُمْ ” أي: من هذه الطائفة المستضعفة. ” مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ” من إخراجهم من ديارهم ولذلك كانوا يسعون في قمعهم وكسر شوكتهم, وتقتيل أبنائهم, الذين هم محل ذلك.
فكل هذا قد أراده اللّه, وإذا أراد أمرا سهل أسبابه ونهج طرقه.
وهذا الأمر كذلك, فإنه قدر وأجرى من الأسباب – التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه – ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.

فأول ذلك, لما أوجد اللّه رسوله موسى الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه وكان في وقت تلك المخافة العظيمة, التي يذبحون بها الأبناء, أوحى إلى أمه, أن ترضعه, ويمكث عندها.
” فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ” بأن أحسست أحدا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم. ” فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ” أي نيل مصر, في وسط تابوت مغلق.” وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ” . فبشرها بأنه سيرده إليها, وأنه سيكبر ويسلم من كيدهم, ويجعله اللّه رسولا.
وهذا من أعظم البشائر الجليلة, وتقديم هذه البشارة لأم موسى, ليطمئن قلبها, ويسكن روعها, فكأنها خافت عليه, وفعلت ما أمرت به, ألقته في اليم, وساقه اللّه تعالى.

” فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ” فصار من لقطهم, وهم الذين باشروا وجدانه. ” لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ” أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط أن يكون عدوا لهم وحزنا يحزنهم بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر, وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل قيض اللّه أن يكون زعيمهم, يتربى تحت أيديهم, وعلى نظرهم وبكفالتهم.
وعند التدبر والتأمل, تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل, ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم, ومنع كثير من التعديات قبل رسالته بحيث إنه صار من كبار المملكة. وبالطبع لا بد أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه هذا وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقدة.
ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف – الذي بلغ بهم الذل والإهانة إلى ما قص اللّه علينا بعضه – أن صار بعض أفراده, ينازع ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض: كما سيأتي بيانه.
وهذا مقدمة للظهور, فإن اللّه تعالى من سنته الجارية أن جعل الأمور تمشي على التدريج شيئا فشيئا ولا تأتي دفعة واحدة.
وقوله ” إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ” أي: مجرمين, فأردنا أن نعاقبهم على إجرامهم, ونكيد لهم, جزاء على مكرهم وكيدهم.

فلما التقظه آل فرعون حنَّن اللّه عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة ” آسية ” بنت مزاحم ” وَقَالَتِ ” : هذا الولد ” قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ ” .
أي أبقه لنا, لِتقرَّ به أعيننا ونسر به في حياتنا. ” عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ” أي: لا يخلو, إما أن يكون بمنزلة الخدم الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا أو نرقيه درجة أعلى من ذلك نجعله ولدا لنا ونكرمه ونجله. فقدَّر اللّه تعالى أنه نفع امرأة فرعون التي قالت تلك المقالة. فإنه لما صار قرة عين لها وأحبته حبا شديدا فلم يزل لها بمنزلة الولد الشقيق حتى كبر ونبأه اللّه وأرسله, بادرت إلى الإسلام والإيمان به, رضى اللّه عنها, وأرضاها. قال اللّه تعالى هذه المراجعات والمقاولات, في شأن موسى: ” وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ” ما جرى به القلم, ومضى به القدر, من وصوله إلى ما وصل إليه.
وهذا من لطفه تعالى, فإنهم لو شعروا, لكان لهم وله, شأن آخر.

ولما فقدت موسى أمه, حزنت حزنا شديدا وأصبح فؤادها فارغا من القلق الذي أزعجها على مقتضى الحالة البشرية مع أن اللّه تعالى نهاها عن الحزن والخوف, ووعدها برده. “إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ” أي: بما في قلبها ” لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ” فثبتناها فصبرت ولم تبد به.
” لِتَكُونَ ” بذكر الصبر والثبات ” مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ” فإن العبد إذا أصابته مصيبة, فصبر وثبت, ازداد بذلك إيمانه, ودل ذلك, على أن استمرار الجزع مع العبد, دليل على ضعف إيمانه

” وَقَالَتِ ” أم موسى ” لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ” أي: اذهبي فقصي الأثر عن أخيك, وابحثي عنه, من غير أن يحس بك أحد, أو يشعروا بمقصودك. فذهبت تقصه ” فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ” أي: أبصرته على وجه, كأنها مارة لا قصد لها فيه. وهذا من تمام الحزم والحذر, فإنها لو أبصرته, وجاءت إليهم قاصدة لظنوا بها أنها هي التي ألقته فربما عزموا على ذبحه عقوبة لأهله.

ومن لطف اللّه بموسى وأمه أن منعه من قبول ثدي امرأة فأخرجوه إلى السوق, رحمة به ولعل أحدا يطلبه.
فجاءت أخته وهو بتلك الحال ” فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ” . وهذا جُلُّ غرضهم, فإنهم أحبوه حبا شديدا, وقد منعه اللّه من المراضع فخافوا أن يموت.
فلما قالت لهم أخته تلك المقالة المشتملة على الترغيب في أهل هذا البيت بتمام حفظه وكفالته, والنصح له, بادروا إلى إجابتها, فأعلمتهم, ودلتهم على أهل هذا البيت.

” فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ ” كما وعدناها بذلك ” كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ” بحيث أنه تربى عندها, على وجه تكون فيه آمنة مطمئنة, تفرح به, وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك. “وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ” فأريناها بعض ما وعدناها به عيانا, ليطمئن بذلك قلبها, ويزداد إيمانها, ولتعلم أنه سيحصل وعد اللّه, في حفظه, ورسالته. ” وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ” فإذا رأوا السبب متشوشا شوش ذلك إيمانهم, لعدم علمهم الكامل, أن اللّه تعالى يجعل المحن والعقبات الشاقة بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة. فاستمر موسى عليه الصلاة والسلام عند آل فرعون يتربى في سلطانهم, ويركب مراكبهم ويلبس ملابسهم . وأمه بذلك مطمئنة قد استقر أنها أمه من الرضاع, ولم يستنكر ملازمته إياها, وحنوه عليها.
وتأمل هذا اللطف من اللّه, وصيانة نبيه موسى من الكذب في منطقه, وتيسير الأمر, الذي صار به التعلق, بينه وبينها, الذي بان للناس, أنه هو الرضاع, الذي بسببه يسميها أُمَّا, فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كله, صدقا وحقا.

لمسات بيانية

أية 7
في قوله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)

فجمع في آية واحدة خبرين وأمرين ونهيين وبشارتين.
فالخبران هما (وأحينا إلى أم موسى) وقوله (فإذا خفت عليه) لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه.
والأمران (أرضعيه، ألقيه)،
والنهيان (لا تخافي ولا تحزني)، والبشارتان (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).

لمسات بيانية

أية12
(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12))

أُنظر إلى قوله تعالى (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) فقد عَدَل ربنا عن الجملة الفعلية إلى الجملة الإسمية وذلك لتأكيد أن النصح بالنسبة لأم موسى وابنتها هو من سجاياهم ومما ثبت لهم. ولذلك لم يقل ربنا “وينصحون له” كما قال (يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) لأن الكفالة أمر سهل يستطيع أن يقوم به أي امرئ منهم بحفظ وكفالة ما يعول. وأما النصح والعناية فهو أمر أعقد وأشد يحتاج إلى دراية ودقة وحنكة.

⭕متشابهات⭕

⚡” يُذَبِّحُ أبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَآءَهُمْ ” ( القصص 4 )

↩” يُقَتِّلُونَ أبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ” ( الأعراف 141 )

↩” َيُذَبِّحُونَ أبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ” ( البقرة 49 , { إبراهيم 6 ” وَيُذَبِّحُونَ ” } )

⚡” عَسَى أن يَنفَعَنَا أوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ” ( القصص 9 , يوسف 21)

⚡”وَأصْبَحَ  ” ( القصص 10 , 82 )
↩” فَأصْبَحَ ” (القصص18)

⚡” وَهُمْ لا يَشْعُرُون ” ( القصص 9 , 11 )

⚡” فَرَدَدْنَهُ إلَى أمَّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَن ” (القصص 13)

↩” فَرَجَعْنَكَ إلَى أمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَن ” ( طه 40 )

⚡” وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون ” ( القصص 13 , 57, الأنعام 37 , الأعراف 131 , الأنفال 34 , يونس 55 , الزمر 49 , الدخان 39 , الطور 47 )

وقفات تدبرية

1- وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)

?قدر ترى أهل الباطل وقد علا كعبهم في الدنيا فلا يضيق صدرك من ذلك فهذا استدراج فالله لن يمكن إلا لأصحاب الحق / مها العنزي

?قد يبتلي الله المؤمن بظالم لا يخاف الله فيه، فإن اعتصم به مكنه ممن ظلمه فرأى منه ما كان يحذر/ سعود الشريم

?لا تدوم حال المستضعف في دينه، بل يمكن له ربه من حيث يحذره الذي كان يستضعفه /سعود الشريم

2- {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ (7)}

?الوحي هنا :إلهام روحي تعرفه الأم وحدها .الأم تجاه (ابنها) ملهمة / عقيل الشمري

?أرضعيه حتى يتذوق حليب أمه فيعاف بعدها كل المرضعات / عبد الله بلقاسم

?ليس بين قوله ” إنا رادوه إليكِ ” وقوله “فرددناه إلى أمه ” إلا يقين بموعود الله / علي الفيفي
?إذا خفتَ أمراً .. ثم تيقنت أن الله معك .. فاعلم أن مخاوفك قد انتهت/ علي الفيفي

?أَلْــقِ كل المخاوف والهموم في بحر التوكل ، لينزل على قلبـك بـرد اليقين! / عايض المطيري

?اطع الله في كل شؤون حياتك وان كنت ترى من منظورك أن فيه هلاكك فالله لا يأمر بأمر إلا وفيه نجاتك/ مها  العنزي

?أَلْــقِ كل المخاوف والهموم في بحر التوكل لينزل على قلبك برد اليقين !/ نايف الفيصل

?‏﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك و (جاعلوه من المرسلين)﴾ لربما كانت آلامك هي منبع سعادتك . فلْتطمئن نفسك بما قسم الله لك
/إبراهيم العقيل

?من تمام قوة الله ورعايته أن استجاب لأم موسى فأرسل ابنها لمن تخاف أن يفتك به ليحفظه لها . قد تكون النجاة بين أنياب الهلكة!/
روائع القرآن

3- {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)}
?أحرقوا قلب الأم بالحزن على طفلها فأحرق الله قلوبهم بطفل كان السبب في حزن  مملكة بأكملها/ علي الفيفي

?لا فرق في حكم الله بين الطغاة وجنودهم إذا أعانوهم على طغيانهم / حاكم المطيري

4- {وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)}

?من يريده الله لنفسه يضع محبته بين عباده فتأنس به النفوس ، وتقر به العيون لأن الله  اختاره وقربه/ مها العنزي

?”لا تقتلوه” كم سيكون ثقل هذه الكلمة في ميزان آسيا بنت مزاحم .. أنجت بها رجل من أعظم الرجال في تاريخ العالم : لا تستهن بكلمة حق/ علي الفيفي

?”أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا”بفطرته علم أن الإكرام مجلبة لنفع المستقبل والبعض يظن أن ابنه لن يبره إلا إذا أهانه وقسا عليه في صغره!! / علي الفيفي

 ?إذا أراد الله بعبد خيرا ألقى في قلوب من حوله مشجعات ومحفزات يبذلوا بسببها الخير له / علي الفيفي

5- {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (10)}

?فقد جزء من النفس وقطعة من الروح صعب فمكانه لن يسده احد وفراغه لن يشغله احد  فتبقى النفس ترقب رجوعه     / مها العنزي

? مع أنها في بيتها وتأكل من طعامها لكن: إذا اضطربت الروح لم يستقر البدن/ عقيل الشمري

?بعض المصائب ينتفح لهولها القلب فيرحم الله عبده (برباط) فما أضعف العبد وما أرحم الرب / عقيل الشمري

?فإذا كان فؤاد من فقدت ابنها أصبح فارغاً ، فكيف بمن فقد الله ؟؟/ عايض المطيري

?” فارغا” الفراغ أدق تعبير يعبر عن حالة الخوف/ عبد الله بلقاسم

?لولا ربط الله على القلوب لتساقط الثقات عند الفتن/ وليد العاصمي

?كل القلوب ستملأ الفراغ الذي أحدثه فقدك ، إلا قلب أمك/  حاتم المالكي

6- {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11)}

?{ وقالت لأخته قصيه } تأمل حرصها على ابنها مع أن الله قد تكفل بحفظه لا تلُم أمك في زيادة حرصها عليك، قلبها العظيم لا يتحمل/ تأملات قرأنية

?”فبصرت به عن جُنُب وهم لا يشعرون” فتاة صغيرة تخترق نظام مراقبة شديد عندما يريد الله شيئا تصاب إمكانيات البشر بالعطب / علي الفيفي

?أختك تقتحم الأهوال من أجلك  هل تعرف ماذا يعني أن يكون لك أخت ، هنيئا لمن له أخت / عبد الله بلقاسم

7- {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)}

?قد يحرم الله عليك كل الأوطان ليعود لك وطنك الأصلي ! / مها  العنزي

?قد يُحرمك الله شيئاً وتتألم  والسبب لأنه خبأ لك الأفضل فلا يريدك أن تنشغل بغيره / عايض المطيري

?أن الله قد يحرمك ما تريد، ليعطيك فوق ما تريد !!/ عايض المطيري

8- {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)}

?”الدنيا كلها عند الأم لا تساوي (رؤية ولدها) ” / د.عقيل الشمري

?الله أرحم بنا من الناس أجمعين فهو الذي يعرف مصدر ألمنا ويعرف كيف يخففه  بالوقت الذي يريد/ مها العنزي

?قد يحرمك الله شيئًا ليعطيك ما هو أحسن منه حرَّم الله على موسى المراضع ثم أكرمه بـ ( فرددناه إلى أُمه ) ! فلا تحزن وتفاءل بالخير/ ماجد الغامدي

——————————————————-

معاني كلمات الوجه الثالث من أية 14← 21

*بلغ أشدّه:- قوّة بدنه ونهاية نموّه

*استوى:- اعتدل عقله وكمُل

*فوكزه موسى:-ضربه في صدره بجُمْع كفّه

*ظهيرا للمجرمين:-مُعينا لهم

*يترقّب:- يتوقّع المكروه

*يستصرخه:- يستغيثه منْ بُعْد

*إنك لغويّ:- ضالّ عن الرّشد

*يبطش:- يأخذ يقوّة وعُنف

*يسعى:- يُسْرع في المشي

*إن الملأ:- وُجُوهَ القوم وكُـبَـراءَهم

*يأتمرون بك:- يتشاورون في شأنك

تفسير الايات من 14←21

” وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ” من القوة والعقل واللب, وذلك نحو أربعين سنة في الغالب. ” وَاسْتَوَى ” فكملت فيه تلك الأمور ” آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ” أي: حكما يعرف به الأحكام الشرعية, ويحكم به بين الناس, وعلما كثيرا. ” وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ” في عبادة اللّه المحسنين, لخلق اللّه, يعطيهم علما وحكما, بحسب إحسانهم, ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام.

“وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ” إما وقت القائلة, أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار.
“فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ ” يتخاصمان ويتضاربان ” هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ” أي من بني إسرائيل ” وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ” كالقبط.
“فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ” لأنه قد اشتهر, وعلم الناس أنه من بني إسرائيل واستغاثته لموسى دليل على أنه بلغ موسى عليه السلام مبلغا يخاف منه ويرجى من بيت المملكة والسلطان.
” فَوَكَزَهُ مُوسَى ” أي: وكز الذي من عدوه استجابة لاستغاثة الإسرائيلي. “فَقَضَى عَلَيْهِ ” أي: أماته من تلك الوكزة, لشدتها وقوة موسى. فندم موسى عليه السلام على ما جرى منه و ” قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ” أي: من تزيينه ووسوسته ” إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ” فلذلك أجريت ما أجريت بسبب عداوته البينة وحرصه على الإضلال.

ثم استغفر ربه ” قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” خصوصا للمخبتين إليه, المبادرين للإنابة والتوبة كما جرى من موسى عليه السلام.

” قَالَ ” موسى ” رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ” بالتوبة والمغفرة, والنعم الكثيرة ” فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا ” أي: معينا ومساعدا “لِلْمُجْرِمِينَ” أي: لا أعين أحدا على معصية. وهذا وعد من موسى عليه السلام بسبب منة اللّه عليه أن لا يعين مجرما كما فعل في قتل القبطي. وهذا يفيد أن النعم, تقتضي من العبد فعل الخير, وترك الشر.

لما جرى منه قتل الذي هو من عدوه ” فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ” هل يشعر به آل فرعون, أم لا؟ وإنما خاف, لأنه قد علم, أنه لا يتجرأ أحد على مثل هذه الحال, سوى موسى, من بني إسرائيل. فبينما هو على تلك الحال ” فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ ” على عدوه ” يَسْتَصْرِخُهُ ” على قبطي آخر.
” قَالَ لَهُ مُوسَى ” موبخا على حاله ” إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ” أي: بين الغواية, ظاهر الجراءة.

” فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ” موسى ” بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا ” أي: له وللمخاصم المستصرخ لموسى أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي, وهو يستغيث بموسى فأخذته الحمية, حتى هم أن يبطش بالقبطي.
“قَالَ ” له القبطي زاجرا له عن قتله: ” يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ ” لأن من أعظم آثار الجبار في الأرض, قتل النفس بغير حق. ” وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ” وإلا, فلو أردت الإصلاح, لحلت بيني وبينك, من غير قتل أحد. فانكف موسى عن قتله, وارعوى لوعظه وزجره.
وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين حتى تراود ملأ فرعون, وفرعون على قتله, وتشاوروا على ذلك.

فقيض اللّه, ذلك الرجل الناصح, وبادر إلى الإخبار لموسى بما اجتمع عليه رَأْيُ ملإهم. فقال: ” وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ” أي: ركضا على قدميه, من نصحه لموسى وخوفه أن يوقعوا به قبل أن يشعر. ” قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ” أي: يتشاورون فيك ” لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ ” عن المدينة ” إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ “

فامتثل نصحه ” فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ” أن يوقع به القتل, ودعا اللّه. ” قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” فإنه قد تاب من ذنبه وفعله غضبا, من غير قصد منه للقتل, فَتَوعُّدُهُمْ له ظلم منهم وجراءة

⭕متشابهات⭕

⚡” وَلَمَّا بَلَغَ أشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِين ” (القصص 14)

↩” وَلَمَّا بَلَغَ أشُدَّهُ ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْومًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِين ” (يوسف 22)

⚡” قَالَ رَبِّ ” ( القصص 16 , 17 , 33 )

⚡” وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى ” (القصص 20)

↩”وَجَآءَ مِنْ أقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ” ( يس 20 )

 وقفات تدبرية

1-{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)}

?العلم والحكمة شرف رفيع ومنزلة عالية لايمنحان إلا لنفس شريفة تعرف كيف تصونه

2-{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)}

?”هذا من عمل الشيطان” حتى دفاعك عن المظلوم قد يكون من عمل الشيطان إن تضمّن ظلماً في ذاته

?عندما ترى من يخصك يعاني من أشد الظلم فيجب ان تكون معه قلبا وقالبا ولا  تخذله تحت أي ظرف

3- {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)}

?بين قول موسى ” فاغفر لي” وقول الله ” فغفر له” زمن يسير مليء بالخضوع والمسكنة
?الإعتراف بالخطأ من شيم الكِرام المتّقين فلَم يتكبّر موسى النبي عن الإعتراف بالتقصير.

4- {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17)}
?النفوس التقية الزكية أكثر بعدا عن الذنوب لأنها تخجل ان تستعمل نعم الله بمعصيته

?جدير بمن أنعم الله عليه بنعمة مال أو قوة أو سلطان أو علم ألا يجعلها في خدمة المجرمين قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين

5- { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)}

?مخاوفك وآلامك ربما تسوقك إلى حيث تفتح لك أبواب السعادة. أمن وزواج ثم كلمه ربه

?رغم كل تضحياته من أجل بني إسرائيل خرج وحيداً لم يرافقه ولو واحد منهم…اعمل لربك ولا تعول على الرفاق

6- {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20)}

?وجاء من أقصى المدينة رجلٌ يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين  (رجل) خُلّد عمله ولم يُذكر اسمُه !ليس المهم من أنت ، المهم ماذا قدمت

?وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى مشوار واحد يصنع التاريخ

?حتما سعي القلوب إلى الله،،سيظهر على الجوارح فتسعى مع القلب

?”وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى” يسعى لإنقاذ مصلح .. رسالة إلى كل من يسعى في تشويه صورة

7- { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)}

?الظالم يستحق ان تقرع ابواب السماء بالدعوات ليكتفى من شره ، فمن لايخاف الله بأفعاله

لمسات بيانية

أية 18

(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (18))

إن الجملة تتكون من ألفاظ وكلمات تنقل لك صورة وفكرة. وهذا أمر واضح جليّ ولكن أن تؤدي الكلمة صورة شاخصة فهذه تحتاج إلى قوة بيان وبلاغة. فانظر إلى قوله تعالى (خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) فكلمة يترقب ترسم في هذا الموضع بظلّها صورة فنية وهي هيئة الحذر المتلفت والقلق المتوجس خيفة المتوقع للشر في كل لحظة. وتضعك أمام حركة الإقتفاء المتخيّلة بالجسم والأقدام، حركة إنسان يقفو خطى آخر، فتعالى بيانك يا رباه.

لمسات بيانية

أية 19
(فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ (19))
كان موسى عليه السلام يريد أن يضرب القبطي ليتنصر للمظلوم من بني إسرائيل. فمعاداة القبطي للإسرائيلي واضحة جداً ولكن لم يكن بين موسى وذاك القبطي أي عداوة، فلِمَ قال ربنا (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا)؟

جعل الله عداوة القبطي الظالم شاملة للإسرائيلي المظلوم ولموسى عليه السلام مع أنه لم يكن معادياً لموسى وظالماً له. ومردّ ذلك أن عداوة الأقباط للإسرائيليين وظلمهم لهم معروفة متفشية في ذلك العهد. وأما ظلم القبطي لموسى عليه السلام وعداوته له فلأنه أراد أن يظلم رجلاً والظلم عدو لنفس موسى التي نشأت على الطهارة والنقاء لتكون متهيئة لحمل رسالة الله. ولذلك فقد عدّ الله ظلم القبطي للآخرين ظلماً لموسى عليه السلام.

معاني الكلمات
من أيه 22←28

*تلقاء مدين:- جهتِها ونحْوها (قرية شعيب)

*سواء السّبيل:- الطريق الوسط الذي فيه النّجاة

*أمّة من النّاس:- جماعة كثيرة منهم

*تذودان:- تمنعان أغنامهما عن الماء

*ما خطبُكما ؟:- ما شأنكما ؟ ما مطلوبكما؟

*يُصْدِر الرّعاء:- يصرف الرعاة مواشيَهم عن الماء

*تأجُرَني:- تكون لي أجيرا في رعي الغنم

*حِجَج:- سنين

تفسير اﻷيات

“وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ” أي: قاصدا بوجهه مدين, وهو جنوبي فلسطين, حيث لا ملك فيه لفرعون. ” قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ” أي: وسط الطريق المختصر, الموصل إليها, بسهولة ورفق, فهداه اللّه سواء السبيل, فوصل إلى مدين.

” وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ” مواشيهم, وكانوا أهل ماشية كثيرة ” وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ ” أي: دون تلك الأمة ” امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ” غنمهما, عن حياض الناس لعجزهما عن مزاحمة الرجال وبخلهم, وعدم مروءتهم, عن السقي لهما. ” قَالَ ” لهما موسى ” مَا خَطْبُكُمَا ” أي: ما شأنكما بهذه الحالة. ” قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ” أي: قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم فإذا خلا لنا الجو سقينا. ” وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ” أي: لا قوة له على السقي, فليس فينا قوة, نقتدر بها, ولا لنا رجال, يزاحمون الرعاء

فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما ” فَسَقَى لَهُمَا ” غير طالب منهما الأجر, ولا له قصد, غير وجه اللّه تعالى.
فلما سقي لهما, وكان ذلك وقت شدة حر, وسط النهار, بدليل قوله: ” ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ” مستريحا لتلك الظلال بعد التعب. ” فَقَالَ ” في تلك الحالة, مسترزقا ربه ” رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ “.
أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إليَّ وتيسره لي
وهذا سؤال منه بحاله والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال. فلم يزل في هذه الحالة, داعيا ربه متملقا. وأما المرأتان فذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بما جرى

فأرسل أبوهما, إحداهما إلى موسى, فجاءته ” تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ “وهذا يدل على كرم عنصرها وخلقها الحسن فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة وخصوصا في النساء. ويدل على أن موسى عليه السلام لم يكن فيما فعله من السقي, بمنزلة الأجير والخادم, الذي لا يستحى منه عادة, وإنما هو عزيز النفس, رأت من حسن خلقه ومكارم أخلاقه ما أوجب لها الحياء منه.
” قَالَتِ ” له: ” إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ” أي: لا لِمَنٍّ عليك بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان وإنما قصده أن يكافئك على إحسانك. فأجابها موسى. ” فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ” من ابتداء السبب الموجب لهربه إلى أن وصل إليه ” قَالَ ” مسكنا روعه جابرا قلبه: ” لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” أي: ليذهب خوفك وروعك فإن اللّه نجاك منهم حيث وصلت إلى هذا المحل الذي ليس لهم عليه سلطان

” قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ” أي: إحدى ابنتيه ” يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ” أي: اجعله أجيرا عندك, يرعى الغنم ويسقيها. ” إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ” أي: إن موسى, أولى من استؤجر, فإنه جمع القوة والأمانة وخير أجير استؤجر من جمعهما القوة والقدرة على ما استؤجر عليه والأمانة فيه بعدم الخيانة.
وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا بإجارة أو غيرها. فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما. وأما باجتماعهما فإن العمل يتم ويكمل. وإنما قالت ذلك لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه ما عرفت به قوته وشاهدت من أمانته وديانته وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما وإنما قصده بذلك وجه اللّه تعالى

” قَالَ ” صاحب مدين لموسى ” إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ” أي تصير أجيرا عندي ” ثَمَانِيَ حِجَجٍ ” أي: ثماني سنين. ” فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ” تبرع منك, لا شيء واجب عليك. ” وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ” فأحتم عشر السنين, وما أريد أن أستأجرك, لأكلفك أعمالا شاقة وإنما استأجرتك, لعمل سهل يسير, لا مشقة فيه ” سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ” فرغبه في سهولة العمل, وفي حسن المعاملة.
وهذا يدل على أن الرجل الصالح ينبغي له أن يحسن خلقه مهما أمكنه وأن الذي يطلب منه أبلغ من غيره

” قَالَ ” موسى عليه السلام – مجيبا له فيما طلبه منه -: ” ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ” أي هذا الشرط الذي أنت ذكرت رضيت به وقد تم فيما بيني وبينك.
” أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ” سواء قضيت الثماني الواجبة, أم تبرعت بالزائد عليها ” وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ” حافظ يراقبنا, ويعلم ما تعاقدنا عليه. وهذا الرجل أبو المرأتين صاحب مدين, ليس بشعيب النبي المعروف كما اشتهر عند كثير من الناس, فإن هذا, قول لم يدل عليه دليل وغاية ما يكون أن شعيبا عليه السلام, قد كانت بلده مدين, وهذه القضية جرت في مدين فأين الملازمة بين الأمرين؟ وأيضا, فإنه غير معلوم, أن موسى أدرك زمان شعيب, فكيف بشخصه؟!! ولو كان ذلك الرجل شعيبا لذكره اللّه تعالى, ولسمته المرأتان.
وأيضا فإن شعيبا, عليه الصلاة والسلام قد أهلك اللّه قومه بتكذيبهم إياه. ولم يبق إلا من آمن به. وقد أعاذ اللّه المؤمنين به, أن يرضوا لبنتي نبيهم, بمنعهما عن الماء وصد ماشيتهما, حتى يأتيهما رجل غريب فيحسن إليهما ويسقي ماشيتهما. وما كان شعيب ليرضى أن يرعى موسى عنده, ويكون خادما له وهو أفضل منه, وأعلى درجة إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى, فلا منافاة.
وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم, واللّه أعلم.

لمسات بيانية

أية 24
(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24))

تأمل في حال النفس المؤمنة الأوابة فهي تحيل كل خير أتاها إلى ربها. فها هو موسى عليه السلام يبدأ بدعاء ربه بصيغة استرحام واستعطاف واعتراف بالجميل (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). فما أن استراح من مشقة السقي للمرأتين وما إن ركن إلى الظل ووجد برده يسري في عروقه حتى تذكر صاحب الفضل عليه وجالت في خاطره نِعَم الله السابقة التي أسداها له. فجاء عليه السلام بجملة جامعة للشكر والثناء والدعاء (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

لمسات بيانية

أيه 25
(فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء (25))

لو قال الله تعالى “فجاءت إحداهما مستحية” لحصل المراد ولكن الله تعالى عبّّر عن ذلك بقوله (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) ليبين أنها كانت تمشي الهوينا برفق وأدب جمّ. وأكّد ذلك بقوله (عَلَى اسْتِحْيَاء) دون مستحية لأن (على) تفيد الاستعلاء والتمكن من الوصف. فالاستحياء أصيل فيها وقوي مكين

⭕متشابهات⭕

⚡” سَتَجِدُنِى إن شَاءَ اللهُ ” ( الصافات 102 , القصص 27 , الكهف 69 )

وقفات تدبرية

1- {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)

?إذا اشتبهت عليك السبل فقل:”عسى ربي أن يهديني سواء السبيل”فقد قالها موسى فهداه الله إلى درب أوصله إلى:الوظيفة والزوجة والسكن والنبوة

?خرج موسى خائفاً لا يدري أين يتوجه ، فدعا بدعوة واحدة هداه الله بها العمر كله ، فلا تستحقر الدعاء

?ولما (توجه تلقاء مدين) قال (عسى ربي أن يهديني) سواء السبيل” لم يتوقف عن سؤال الهداية بعد تحديد اتجاهه. حاجتنا للهداية لا تنتهي

2- {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)}

?العفيفات لايزاحمن الرجال ،قلوب طاهرة أقاموها بأفعال طاهرة !!

?”وأبونا شيخ كبير” ربى بناته على الحياء فأكرمه الله وساق له نبيا ليصاهره ويرعى غنمه. حياء بناتنا لن يحرمهم نصيبهم من الرزق

?[قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير] جاوبتاه باختصار ودون تطويل للكلام والشرح ! فالحشمة بالمنطق مطلوبة للمرأة

?” قالتا لانسقي حتى يصدرالرعاء” امتناع فطري عن الاختلاط “وأبونا شيخ كبير” بيان الضرورة الدافعة للخروج *إذا احتاجت المرأة للخروج فلتخرج

3- {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)}

?فسقى لهما خدمة عابرة في لحظة عفوية يخلدها القرآن، المعروف لا يجتاج لخطة خمسية
?طهر النفوس ،يتجلى في نفع الآخرين من غير مصلحة

?من كمال طيب نفسك أنك اذا صنعت معروفا ألا تنتظر وقفة شكر وتمجيد لإنجازك ! فهو محفوظ عند ربك

?إذا صنعت لأحد معروفاً فلا تطلب منه الدعاء لك وإنما توجه لله متوسلا بعملك

?مهما كنت مكتفٍ عن الناس ولديك القوة والمنعة والرزق الوفير لكن بالحقيقة لربك  كم أنت فقير !

?الصادقون لا ينتظرون الثناء ..ولا يبحثون عن الأضواء ..اللهم اجعلنا من الصادقين

4- {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)}

? “قال لا تخف” اربت بيد المواساة على القلوب المنهكة

?”إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ” كن أكثر كرما مع أولئك الذين لا يشترطون أجرا مقابل أتعابهم

?”فجاءته إحداهما تمشي على استحياء” حينما صارت لوحدها اشتد حياؤها :كونك لوحدك أختي الغالية مما يدعوك لتكوني أكثر حياء لا أكثر جرأة

?( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء ) الأنوثة حيـاء ، قبل أن تكون أزيـاء

?إذا رأى الأب شابا كفؤا ، أيسوغ أن يعرض عليه خطبةابنته؟ (قال إني أريدأن أنكحك إحدى ابنتي هاتين)في البخاري أن عمر عرض حفصة على عثمان وأبي بكر

?الرجل يعجب بالمرأة لحيائها ” فجاءته إحداهما تمشي على استحياء” والمرأة تعجب بالرجل لأمانته ” إن خير من استأجرت القوي الأمين”

5- {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)}

?اﻷمناء من غير قوة كثيرون، واﻷقوياء من غير أمانة كثيرون، فضاعت مصالح الناس بين ضعف وخيانة ،وندر اجتماع قوة وأمانة

?عرفت أمانته في لقاء عابر : الأمانة صفة تلحظها القلوب سريعا .. لا تحتاج لمجهر حتى تُكتشف

?اجعل أعمالك وتعاملك يشهدان لك بالقوة والأمانة .حيث ما وجدت الأمانة وجد الخير والبركة معها فالأمين هو من يتعامل مع الله قبل ان يتعامل معك

6- {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27)}

?عندما تتعامل مع الناس تذكر انهم بشر مثلك يتعبون .. يضجرون .. يملون .. فلا تحملهم فوق ما يحتملون

?”ستجدني إن شاء الله من الصالحين” أكثر من : إن شاء الله .. فهي من تمام البراءة من الحول والقوة .. وكمال الاستسلام لمن بيده الأمر كله

?كان يعيش في القصر، ولكنه لم يجد بأسا في رعي الغنم حين تغيرت الظروف السعادة هي القدرة على البهجة مع تغير ظروفنا

?كلمة “إن شاء الله” فيها أدبٌ وتواضع ، تَواضَـعْ مهما كُنتَ صالِـحا

7- {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)}

?لا تكثر من الوعود فقد تعجز عن أدائها

—————————————————————

معانى الكلمات سورة القصص من ايه 29← 35

*آنس:- أبصَرَ بوضوح

*نارا:- هي في الواقع نورٌ ربّانيّ

*جذوة من النّار:- عودٌ فيه نارٌ بلا لهب

*تصطلون:- تستدفئون بها من البرْد

*تهـتـزّ:- تتحرّك بشدّة واضطراب

*كأنّها جانّ:- حيّة خفيفة في سرعة حركتها

*لم يُعقّبْ:- لم يرجع على عقبه أو لم يلتفت

*جيْـبـك:- فتحة القميص حيث يدخل الرّأس

*بيضاء:- لها شعاع يغلب شعاع الشمس

*غير سوء:- غير داء بَرَص ونحوه

*اضمم إليك جناحك من الرّهب:- ضمّ يدك اليُمنى إلى صدرك يذهبْ عنك الخوف من الحيّة

*ردْءًا:- عَوْنا

*سنشدّ عضدك:- سنقوّيك ونعينك

*سلطانا:-حجّة أو تسلّطا وغلبة

تفسير الايات من
29← 35

” فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ” يحتمل أنه قضى الأجل الواجب أو الزائد عليه كما هو الظن بموسى, ووفائه اشتاق إلى الوصول إلى أهله, ووالدته, وعشيرته ووطنه. وظن من طول المدة أنهم قد تناسوا ما صدر منه. ” وَسَارَ بِأَهْلِهِ ” قاصدا مصر ” آنَسَ ” أي: أبصر ” مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ” وكان قد أصابهم البرد وتاهوا الطريق.

” فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ” فأخبر بألوهيته وربوبيته.  ويلزم من ذلك أن يأمره بعبادته, وتألهه, كما صرح به في الآية الأخرى ” فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي “

“وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ” فألقاها ” فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ” تسعى سعيا شديدا, ولها سورة مُهِيلة ” كَأَنَّهَا جَانٌّ ” ذَكَرُ الحيات العظيم. “وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ” أي: يرجع لاستيلاء الروع على قلبه.
فقال اللّه له: “يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ” وهذا أبلغ ما يكون في التأمين وعدم الخوف. قإن قوله: ” أَقْبِلْ ” يقتضي الأمر بإقباله, ويجب عليه الامتثال. ولكن قد يكون إقباله, وهو لم يزل في الأمر المخوف, فقال: ” وَلَا تَخَفْ ” أمر له بشيئين, إقباله وأن لا يكون في قلبه خوف. ولكن يبقى احتمال, وهو أنه قد يقبل وهو غير خائف ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه فلذلك قال: ” إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ” فحينئذ اندفع المحذور من جميع الوجوه.
فأقبل موسى عليه السلام, غير خائف ولا مرعوب بل مطمئنا, واثقا بخبر ربه قد ازداد إيمانه, وتم يقينه. فهذه آية أراه اللّه إياها قبل ذهابه إلى فرعون, ليكون على يقين تام, فيكون أجرا له, وأقوى وأصلب.

ثم أراه الآية الأخرى فقال: ” اسْلُكْ يَدَكَ ” أي: أدخلها ” فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ” فسلكها وأخرجها, كما ذكر اللّه تعالى. ” وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ” أي ضم جناحك وهو عضدك إلى جنبك ليزول عنك الرهب والخوف. ” فَذَانِكَ ” أي: انقلاب العصا حية, وخروج اليد بيضاء من غير سوء. ” بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ ” أي: حجتان قاطعتان من اللّه. ” إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ” فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إياهم, بل لا بد من الآيات الباهرة, إن نفعت.

” قَالَ ” موسى عليه السلام, معتذرا من ربه, وسائلا له المعونة على ما حمله, وذاكرا له الموانع, التي فيه, ليزيل ربه ما يحذره منها. ” رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا ” أي: ” فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا” أي: معاونا ومساعدا “يُصَدِّقُنِي” فإنه مع تضافر الأخبار يقوى الحق ” إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ “

فأجابه اللّه إلى سؤاله فقال: ” سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ” أي: نعاونك به ونقويك. ثم أزال عنه محذور القتل, فقال: ” وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ” أي: تسلطا وتمكنا من الدعوة بالحجة والهيبة الإلهية من عدوهما ” فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا “. وذلك بسبب آياتنا وما دلت عليه من الحق وما أزعجت به من باشرها ونظر إليها. فهي التي بها حصل لكما السلطان واندفع بها عنكم, كيد عدوكم وصارت لكم أبلغ من الجنود, أولي الْعَدَدِ والْعُدَدِ.
” أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ” وهذا وعد لموسى في ذلك الوقت وهو وحده فريد, وقد رجع إلى بلده بعد ما كان شريدا. فلم تزل الأحوال تتطور, والأمور تنتقل حتى أنجز له موعوده ومكنه من العباد والبلاد وصار له ولأتباعه الغلبة والظهور.

لمسات بيانية

(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34)) هل كان طلب موسى عليه السلام من ربه إرسال هارون في قوله (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) ليكون هارون مصدقاً على كلام موسى؟

 أي كلما قال شيئاً يقول بأنه صادق أو صدقت حتى قال (يُصَدِّقُنِي)؟ عبّر موسى عليه السلام عن فصاحة هارون وتكليمه للناس بقوله (يُصَدِّقُنِي) للإشارة إلى أن هارون سيكون في هذا الإرسال سبباً في تصديق فرعون وملئه. وذاك من خلال إبانته الأدلة التي يلقيها موسى في مقام مجادلة فرعون فهو ليس مبلِّغاً وحسب بل سيكون ذا دور في تصديق القوم برسالة موسى عليه السلام.

لمسات بيانية

 (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (31)) لِمَ قدّم ربنا تبيان صفته واسمه العليّ على أمره فقال (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (31)) ولم يقل “أن ألق عصاك إني أنا الله رب العالمين”؟

إن تقديم صفة الله تعالى قبل إصدار أمره لموسى عليه السلام وإلقاء العصا كان لأن وصف ذاته بـ (رب العالمين) يدل على أن جميع الخلائق مسخّرة له. وفي ذلك تثبيت لقلب موسى عليه السلام من هول تلقي الرسالة.

لمسات بيانية

(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ (35))
الشد هو الربط. ومن شأن المرء إذا أراد أن يُجهد أحد أعضائه بالعمل ربط عليه لئلا يعتريه فك أو كسر. وقد جعل الله تعالى هارون أخا موسى بمنزلة الرباط الذي يشد به. لأن تأييد هارون لأخيه موسى إنما هو في الفصاحة والكلام. فكأنه الرباط الذي يحميه فالرباط يحمي العضو من الزلل والكسر. وهارون يقوي موسى في إيضاح حجته ويعينه على ذلك.

⭕متشابهات⭕

” قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّى ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلِّى ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون ” ( القصص 29 )

↩”إذْ قَالَ لأهْلِهِ إنِّى ءَانَسْتُ نَارًا سَئَاتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون ” ( النمل 7)

↩” فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّى ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلِّى ءَاتِيكُم مِنْهَا بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ” ( طه 10 )

” فَلَمَّا أتَاهَا نُودِىَ ” ( القصص 30 , طه 11 )
↩” فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ ”  (النمل 8 )

 ” وَأنْ ألْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأنَّهَا جَآنٌّ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِين ” ( القصص 31 )

↩” وَألْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأنَّهَا جَآنٌّ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لا تَخَفْ إنِّى لا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُون ” ( النمل 10 )

” اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ” ( القصص 32 )

↩” وَأدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِِ سُوءٍ ” ( النمل 12 )

↩” وَاضْمُمْ يَدَكَ إلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ” ( طه 22 )

وقفات تدبرية

1-{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)}

?”فلما قضى موسى الأجل” يعلم الله سبحانه أي الأجلين قضى موسى ولكنه لم يذكره ! : لا تشتت أذهان السامعين بتفاصيل تبعدهم عن مقصد كلامك

?(فأسر بأهلك) (وسار بأهله) أهلك هم كنز حياتك ، لا تتخلى عنهم

2- {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ (31)

?أوامر الله أمان في حياتك وبعد مماتك ، أقبـل ولاتخـف ، فإنَّ فيها مصلحتك

?من كان بكنف الله فهو آمن ومن كان بحفظ الله فهو المحفوظ ومن كان بحماية الله فأي خوف سيصله ؟

3- {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (32)}

?عند الخوف والرهبة ضع يدك على صدرك ، لتشعر بالأمان والاطمئنان في أمرك.. تلك سنة كليم الرحمن

?المعاند لاتنفع معه كثرة البراهين لأنه يعرف الحق ويرفضه لكن من عدل الله ان لايقيم الحد إلا بعد الحجة

?زمرة فرعون واتباعه لن يكونوا افضلا حالا منه فالأشباه دائما يجتمعون والاضداد يتفرقون!

 4-{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)}

?لا تجعل السنوات .. تنسيك ما فعلته من هفوات

5- {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)}

?موسى طلب أن يكون هارون (ردء) معه، فجعله الله (عضدا) له . فالله يعطى فوق الأمل

?بعيدا عن الحسد ،، وقريبا من الطهر والنقاء ،، يشير إلى من وهبه الله موهبة ليشاركه في سبيل نجاح الدعوة

?اترك حظوظ النفس اعترف بمزايا من حولك . الاعتراف بمزايا الآخرين من مزايا الأنبياء والمرسلين (وأخي هارون هو أفصح مني ) وإنكارها ، من مزايا إبليس والشياطين (قال أنا خيرٌ منه)

?وأخي ” هارون هو افصح مني لسانا ” في غيابك يعدد محاسنك أصحاب النفوس الطاهرة الجميلة

?لو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال لكان هارون أولى بالرسالة من موسى ﷺ ﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لساناً ﴾ ابن الجوزي

6- {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)}

?اكبر قوة معنوية قد تبث بروحك الإطمئنان عندما تجد اخ صادق يخفف حملك ويكون لك نعم السند

?الأخ الصالح حاجة ملحة ، في المهمات الصعبة

———————————————–

معانى الكلمات من ايه 36←43

*مفترى:- تنسبه إلى الله كذب

*صرحا:- قصرا . أو بناءً عاليًا مكشوفا

*فنبذناهم في اليمّ:- ألقيناهم وأغرقناهم في البحر

*أئمّة:- قادة في الضلال

*لعنة:- طردا وإبعادًا عن الرّحمة

*من المقبوحين:- المبعدين أو المشوّهين في الخِلـْـقـَـة

*القرون الأولى:- الأمم الماضية المكذبة

*بصائر للنّاس:- أنوارا لقلوبهم تبْصِر بها الحقائق

تفسير اﻷيات

ذهب موسى برسالة ربه ” فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ ” واضحات الدلالة على ما قال لهم ليس فيها قصور ولا خفاء.
” قَالُوا ” على وجه الظلم والعلو والعناد ” مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى ” كما قال فرعون في تلك الحال التي ظهر فيها الحق, واستعلى على الباطل واضمحل الباطل وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور ” إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ” (هذا وهو الذكي غير الزكي الذي بلغ من المكر والخداع والكيد, ما قصه اللّه علينا وقد علم ” مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ” ولكن الشقاء غالب. ” وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ” وقد كذبوا في ذلك فإن اللّه أرسل يوسف قبل موسى كما قال تعالى ” وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ “

” وَقَالَ مُوسَى ” حين زعموا أن الذي جاءهم به سحر وضلال, وأن ما هم عليه هو الهدى: ” رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ” . أي: إذا لم تفد المقابلة معكم, وتبيين الآيات البينات, وأبيتم إلا التمادي في غيكم, واللجاج على كفركم, فاللّه تعالى العالم بالمهتدي وغيره, ومن تكون له عاقبة الدار, نحن أم أنتم ” إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ” . فصار عاقبة الدار لموسى وأتباعه, والفلاح, والفوز.
وصار لأولئك, الخسار, وسوء العاقبة والهلاك.

“وَقَالَ فِرْعَوْنُ ” متجرئا على ربه ومموها على قومه السفهاء ضعفاء العقول: ” يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ” أي: أنا وحدي إلهكم ومعبودكم
ولو كان ثَمَّ إله غيري, لعلمته.
فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون, حيث لم يقل ” ما لكم من إله غيري ” . وهذا لأنه عندهم العالم الفاضل الذي مهما قال فهو الحق, ومهما أمر, أطاعوه. فلما قال هذه المقالة, التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره, أراد أن يحقق النفي, الذي جعل فيه ذلك الاحتمال, فقال لـ ” هامان ” : ” فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ ” ليجعل له لبنا من فخار. ” فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ” أي: بناء عاليا ” لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ” . ولكن سنحقق هذا الظن, ونريكم كذب موسى.
فانظر هذه الجراءة العظيمة, على اللّه التي ما بلغها آدمي.
كذب موسى وادَّعى أنه اللّه ونفى أن يكون له علم بالإله الحق, وفعل الأسباب ليتوصل إلى إله موسى, وكل هذا ترويج. ولكن العجب من هؤلاء  الملأ, الذين يزعمون أنهم كبار المملكة, المدبرون لشئونها, كيف لعب هذا الرجل بعقولهم, واستخف أحلامهم وهذا لفسقهم, الذي صار صفة راسخة فيهم.
فسد دينهم, ثم تبع ذلك, فساد عقولهم, فنسألك اللهم, الثبات على الإيمان, وأن لا تزيغ قلوبنا, بعد إذ هديتنا, وأن تهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

قال تعالى: ” وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ” استكبروا على عباد اللّه وساموهم سوء العذاب, واستكبروا على رسل اللّه, وما جاءوهم به من الآيات. فكذبوها وزعموا أن ما هم عليه, أعلى منها وأفضل. ” وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ” فلذلك تجرأوا.
وإلا فلو علموا, وظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه, لما كان منهم ما كان.

” فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ” عندما استمر عنادهم وبغيهم ” فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ” كانت شر العواقب وأخسرها عاقبة, أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة, المتصلة بالعقوبة الأخروية.

” وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ” أي جعلنا فرعون وملأه, من الأئمة الذين يقتدي بهم, ويمشي خلفهم إلى دار الخزي والشقاء. “وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ” من عذاب اللّه, فهم أضعف شيء, عن دفعه عن أنفسهم, وليس لهم من دون اللّه, من ولي ولا نصير.

” وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ” أي: وأتبعناهم, زيادة في عقوبتهم وخزيهم, في الدنيا لعنة, يلعنون, ولهم عقد الخلق, الثناء القبيح, والمقت والذم.
وهذا أمر مشاهد, فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم.
“وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ” المبعدين المستقذرة أفعالهم.
الذين اجتمع عليهم مقت اللّه, ومقت خلقه ومقت أنفسهم.

” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ” وهو التوراة ” مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ” الذين كان خاتمتهم, في الإهلاك العام, فرعون وجنوده. وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة, انقطع الهلاك العام, وشرع جهاد الكفار بالسيف. ” بَصَائِرَ لِلنَّاسِ ” أي: كتاب اللّه, الذي أنزله على موسى فيه بصائر للناس, أي: أمور يبصرون بها ما ينفعهم وما يضرهم, فتقوم الحجة على العاصي وينتفع بها المؤمن, فتكون رحمة في حقه, وهداية إلى الصراط المستقيم, ولهذا قال: ” وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ” . ولما قص اللّه على رسوله, ما قص من هذه الأخبار الغيبية نبه العباد على أن هذا خبر إلهي محض ليس للرسول طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي

لمسات بيانية

 قَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37))

العاقبة هي الحالة العاقبة التي تجيء عقب غيرها. ولفظ عاقبة يؤذن بتبدل حال إلى ما هو خير منه ولذلك لا يُطلق إلا على العاقبة المحمودة. ولعلك تلمح ما في عبارة (عَاقِبَةُ الدَّارِ) من التمثيل والتصوير حتى جرت هذه العبارة مجرى المثل في خاتمة الخير بعد المشقة. وكأنها تشبيه من يقوم بعمل خير بحالة سائر على طريق ممتد إلى أن يبلغ دار الخصب والاستقرار فتكون الدار التي بلغها دار خير حسنت عاقبتها.

لمسات بيانية

(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40))
تأمل هذا التصوير المهين لمن عصى أمر الله وتجرأ على أنبيائه. ألا ترى كيف انتقص الله من حجم فرعون وحاشيته إلى أقصى الدرجات. فما هم إلا حصيات طرحت في البحر لا قيمة لها ولا وزن. وكذلك قال ربنا (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) ولم يقل “فأغرقناهم”

لمسات بيانية

(وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42))

تأمل هذا التفنن البلاغي والأسلوب البياني الدقيق في رصد شأن آل فرعون. فاللعنة عليهم عبّر عنها القرآن بالفعل فقال (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً). وأما قبح مآلهم في الآخرة فقد عبّر عنه بالإسم فقال (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ). فما الحكمة وراء هذا التخالف والتنويع بين الجملة الفعلية (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) والإسمية (هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ)؟ ما ذاك إلا لأن اللعنة قد انتهى أمرها بإغراق آل فرعون فهي لا تقتضي الدوام ولذلك جيء معها بالجملة الفعلية (وَأَتْبَعْنَاهُمْ). وأما تقبيح حالهم يوم القيامة فهو دائم معهم ملازم لهم فجيء في جانبه بالجملة الإسمية المقتضية الدوام والثبات.

لمسات بيانية

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42))

تأمل هذا المشهد الذي يثير في نفس السامع العجب والغرابة. فالآية تخبرنا عن فرعون وكبراء قومه. هم كانوا في الدنيا أئمة قومهم في الضلال وهذا معلوم لنا ولكن الغرابة أن إمامتهم مستمرة في اليوم الآخر. فقد صورهم البيان الإلهي على هيئة إمامة غريبة ودعوة عجيبة (أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) وهذه الإمامة ترسم صورة في الخيال لأغرب الدعوات حين يقول الإمام لتابعيه “هيا بنا إلى النار”. فأنت تُنَصِّب عليك إماماً ليرشدك إلى طريق الهدى وأولئك نصّبوا عليهم إماماً ليرشدهم ولكنه أضله الطريق فكان إمامهم وقائدهم ولكن إلى أين؟ إلى النار التي ينبغي أن يبعدهم عن لظاها.

انفرادات سورة القصص

وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38)

يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (38)

 فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا (36)

 وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً (42)

أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ
عِنْدِهِ (37)

 ⭕متشابهات⭕

” فَلَمَّا جَآءَهُم ” ( القصص 36 , 48 )

” وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَابَآئِنَا الأوَّلِين ” ( القصص 36)
↩” مَا سَمِعْنَا ” (المؤمنون 24 )

 ” وَقَالَ مُوسَى رَبِّى أعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ ” ( القصص 37 )
↩” قُل رَبِّى أعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى ” ( القصص 85 )

 ” فَأخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ ” ( القصص 40 , الذاريات 40 )

” وَجَعَلْنَهُمْ أئِمَّةً ” ( القصص 41 , الأنبياء 73 )
↩” وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَّةً ” ( السجدة 24 )

” وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب ” ( فصلت 45 , السجدة 23 , القصص 43 , الفرقان 35 , المؤمنون 49 , هود 110 , البقرة 87 )
↩” وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب” ( الإسراء 2 )

” لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون ” ( القصص 43 ,46 , 51 )

وقفات تدبرية

1-{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (36)}

?لا تحزن من الافتراءات التي ستواجهها فكل شخص يرى الناس بأخلاقه وطباعه ! فهذا ليس عيبا بك بل بهم

 2-{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)}

?موسى لم يقل أنا جئت بالهدى فالتواضع والبعد عن الذاتية من صفات المرسلين

?دموع المظلومين ستبقى تطارد الظالم وستقف حائل بينه وبين أي توفيق وفلاح وأي توفيق أصلا  سيناله

3- {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38)}

?الزمرة والحاشية التي تحيط بالظالم اما أنها مثله او انهم خانعون ليس فيهم رجل رشيد

?(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) هل سمعت بأفظع من هذه الجملة وجرأة قائلها ؟ فرعون لم يكن مختلا فلن يؤاخذه الله بل كان  قليل الأدب مع الله

?[فأوقد لي يا هامان على الطين] اليد التي تعين الظالم لاتقل ظلما عنه بل هي توازيه بالعقلية ذاتها وإلا ما إلتفت حوله

?فرعون يتهم موسى بالكذب ..!! نفس القصة تتكرر في كل العصور الصادق المخلص تشوه صورته ويشك في نهجه

4- {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39)}

?اصعب شئ على نفس الحر أن يجد الباطل قوي الشوكة ممعن في غطرسته ولا يجد القوة التي تقف بوجهه

5- {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)}

?(عبد مأمور) كلمة يقولها من يمتثل الباطل ولن تنجيه لأنه عبد لله قبل أن يكون لغيره. أمر فرعون جنوده فأطاعوه

?لا توجد قوة متجبرة إلا والله اقوى منها وقادر على دحرها بطرفة عين ويشفِ صدرور المؤمنين منها

?[فانظر كيف كان عاقبة الظالمين] الله يملي للظالم المجرم سفاك الدماء ليس تغافلا عنه بل له وقت محاسبة سيجعله الله عبرة لمن لايعتبر

?حين يهلك الظالم ،،لا تنس أن مجرد النظر في عاقبته عبادة ،، سنتعبد بذلك قريبا!

6- {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ (41)}

?فرعون وجنوده كانوا قدوة لكل شر وجبروت وكذلك في الآخرة سينظم للواءهم كل من شاكلهم

?لا تخدعنك شهرتهم إنها متطلبات الإمامة إلى النار

7- {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ (42)}

?هؤلاء لنقف عندهم وقفة تأمل هل الذي آثروه يستحق كل هذا العناء؟ يال خسارة من يبحث عن حظوظ النفس !

———————————————————

معاني كلمات سورة القصص من أيه 44← 50

*قضينا:- عهِدْنا

*ثاويا:- مُقيمًا

*سِحران تظاهرا:- تـَـعَاونـَـا ( التوراة والقرآن)

تفسير اﻷيات

” وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ” أي: بجانب الطور الغربي ” إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ” على ذلك, حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق.

“وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ” فاندرس العلم, ونسيت آياته. فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك, وإلى ما علمناك, وأوحينا إليك. “وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا ” أي: مقيما ” فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ” أي: تعلمهم وتتعلم منهم حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في مدين. “وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ” أي: ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى أثر من آثار إرسالنا إياك وَوَحْيٌ لا سبيل لك إلى علمه بدون إرسالنا.

” وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ” موسى وَأمرناه أن يأتي القوم الظالمين ويبلغهم رسالتنا ويريهم من آياتنا وعجائبنا ما قصصنا عليك. والمقصود أن الما جريات التي جرت لموسى, عليه الصلاة والسلام في هذه الأماكن فقصصتها كما هي, من غير زيادة ولا نقص, لا يخلو من أحد أمرين. إما أن تكون حضرتها وشاهدتها أو ذهبت إلى محالِّها, فتعلمتها من أهلها. فحينئذ قد لا يدل ذلك, على أنك رسول اللّه, إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة, من الأمور المشتركه, غير المختصة بالأنبياء. ولكن هذا قد عُلِمَ وتُيُقِّن أنه ما كان وما صار. فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك.
فتعين الأمر الثاني, وهو: أن هذا جاءك من قِبَلِ اللّه ووحيه وإرساله. فثبت بالدليل القطعي, صحة رسالتك ورحمة اللّه بك للعباد ولهذا قال: ” وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ” أي: العرب, وقريش, فإن الرسالة عندهم لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان متطاولة. “لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ” تفصيل الخير, فيفعلونه والشر فيتركونه.
فإذا كنت بهذه المنزلة كان الواجب عليهم المبادرة إلى الإيمان بك وشكر هذه النعمة, التي لا يقادر قدرها, ولا يدرك شكرها. وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلا لغيرهم فإنه عربي والقرآن الذي نزل عليه عربي وأول من باشر بدعوته العرب. فكانت رسالته لهم أصلا ولغيرهم تبعا كما قال تعالى ” أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ” ” قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا “

” وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ” من الكفر والمعاصي ” فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ” أي: فأرسلناك يا محمد لدفع حجتهم وقطع مقالتهم.

” فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ ” الذي لا شك فيه ” مِنْ عِنْدِنَا ” وهو القرآن الذي أوحيناه إليك ” قَالُوا ” مكذبين له ومعترضين بما ليس يعترض به: ” لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ” أي أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة.
أي: فأما ما دام ينزل متفرقا فإنه ليس من عند اللّه. وأي دليل في هذا؟ وأي شبهة أنه ليس من عند اللّه حين نزل مفرقا؟ بل من كمال هذا القرآن واعتناء اللّه بمن أنزل عليه, أن نزل متفرقا ليثبت اللّه به فؤاد رسوله ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين. “وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ” .
وأيضا فإن قياسهم على كتاب موسى قياس قد نقضوه فكيف يقيسونه على كتاب كفروا به, ولم يؤمنوا؟ ولهذا قال ” أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ” أي: القرآن والتوراة, تعاونا في سحرهما وإضلال الناس ” وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ” . فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق, بما ليس ببرهان وينقضونه بما لا ينقض, ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة وهذا شأن كل كافر. ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين ” وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ “. ولكن هل كفرهم بهما كان طلبا للحق واتباعا لأمر عندهم خير منهما أم مجرد هوى؟

قال تعالى ملزما لهم بذلك: ” قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ” أي من التوراة والقرآن ” أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ” ولا سبيل لهم, ولا لغيرهم أن يأتوا بمثلهما فإنه ما طرق العالم منذ خلقه اللّه مثل هذين الكتابين علما, وهدى وبيانا ورحمة للخلق. وهذا من كمال الإنصاف من الداعي أن قال: مقصودي الحق والهدى والرشد. وقد جئتكم بهذا الكتاب المشتمل على ذلك الموافق لكتاب موسى. فيجب علينا جميعا الإذعان لهما واتباعهما من حيث كونهما هدى وحقا. فإن جئتموني بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما اتبعته.وإلا فلا أترك هدى وحقا قد علمته لغير هدى وحق.

” فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ” فلم يأتوا بكتاب أهدى منهما ” فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ” أي: فاعلم أن تركهم اتباعك ليسوا ذاهبين إلى حق يعرفونه ولا إلى هدى وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم. ” وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ” فهذا من أضل الناس, حيث عرض عليه الهدى والصراط المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى دار كرامته فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه. ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى.
فهل أحد أضل ممن هذا وصفه؟!! ولكن ظلمه وعدوانه وعدم محبته للحق هو الذي أوجب له: أن يبقى على ضلاله ولا يهديه اللّه, فلهذا قال: ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ” أي: الذي صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا, جاءهم الهدى فرفضوه, وعرض لهم الهوى, فتبعوه. سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها, وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها.
فهم في غيهم وظلمهم يعمهون وفي شقائهم وهلاكهم يترددونة. وفي قوله: ” فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ” دليل على أن كل من لم يستجب للرسول, وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول, فإنه لم يذهب إلى هدى وإنما ذهب إلى هوى.

لمسات بيانية

اية :45
(وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)) لعلك لحظت الآية التي تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون زمن بعثة موسى عليه السلام وتنفي عنه أن يكون ممن تلقى أخبار موسى من كتب بني إسرائيل. وهذا يؤدي إلى أنه تلقى هذه الأخبار عبر وحي من الله تعالى. فلِمَ عدل عن قوله “ولكنا أوحينا إليك بذلك” إلى قوله (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)؟

كان ذلك لأن المقصد الأهم هو إثبات وقوع الرسالة من الله للرد على المشركين في قولهم وقول أمثالهم (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) القصص).

لمسات بيانية

أية: 49
(قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (49))

تأمل هذا التحدي السافر والتعجيز القاهر الذي يخاطب به القرآن المعاندين المشركين. فقد طالبهم بالإتيان بكتاب هو أهدى من القرآن لا ليثبت قوتهم بل ليكون كتاباً يدين به محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن به. وكان النبي يقول “إن تأتوا به أتّبعه”. وهذا مبالغة في التعجيز لأن وعده بأن يتّبع ما يأتون به إن كان أبلغ وأهدى من القرآن يقتضي بأن يحق عليهم الحق ويقعوا تحت سطوة برهانه ويقروا بالهزيمة إن لم يفعلوا ذلك. وهذا الضعف والعجز ناسب الإتيان بحرف الشرط (إن) الدال على الشك في قوله في ختام التحدي (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

⭕متشابهات⭕

” وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ” ( القصص 44 , 46 )

” لِتُنذِرَ قَوْمًا مَآ أتَاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون ” (القصص 46)

↩”…..يَهْتَدُون ” (السجدة 3)

” فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أرْسَلَتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَبِعَ ءَايَاتِكَ ” ( القصص 47 )
↩” لَقَالُوا رَبَّنَا ….” (طه 134)

” فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ ” ( القصص 48 , يونس 76 )

↩” فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ ” ( غافر 25 )

” فَإن لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ” ( القصص 50)
↩” فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ” ( هود 14)

وقفات تدبرية

1- { رَحْمَةً مِنْ رَبِّك } لو دققنا جيدا وأمعنا النظر لوجدنا ان لطف الله يتدخل في كل تفاصيل حياتنا لكن لا ننتبه وان انتبهنا فقل مانشكر

2- {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (47)}

?الله لايقدر لنا إلا كل خير .. لكن الشرور نحن الذين نجرها الى انفسنا ونستدعيها بأفعالنا

3- {فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)}

?النقاش مع المشكك لن يؤدي لنتيجة بل وسيصدمك بضحالة تفكيره ونظرته القاصرة فالعقول ارزاق وسبحان مقسمها !

4- {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (49)فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)}

?من بلغه هدي نبيه ﷺ فلم يستجب فلا تفسير لامتناعه إلا أنه اتبع هواه سواء أكان هوى شهوة أو هوى شبهة

?الاستجابة إما للوحي وإما للهوى : فإنه لا توجد قسمة ثالثة

?ما منا من أحد إلا له هوى غير أن منا من قاد هواه بنور من الله ومنا من أعرض عن نور الله بهواه فضل وأضل

?الظالم محروم من “الهداية” عقابا مستحقا له على ظلمه ولو لم تكن هنالك عقوبة إلا هذه لكفته

————————————————————

معاني كلمات سورة القصص من أية 51← 59

*وصّلنا لهم القول:- أنزلنا القرآن عليهم مُتواصلا

*يدْرءون:- يدفعون

*اللّغو:- السّبّ والشّـتـْـم من الكفار

*سلام عليكم:- سَلِمتم مِنّا لا نُعارضكم بالشّـتم

*نُـتخطّـف:- نُنْـتزعْ بسرعة

*يُجْبى إليه:- يُجْلب ويُحمل إليه من كلّ جهة

*كم أهلكنا:- كثيرا أهلكنا

*بَطِرت مَعيشَتها:- طغتْ وتمرّدت في أيّام حياتها

تفسير اﻷيات

” ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون “

” وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ” أي: تابعناه وواصلناه وأنزلناه شيئا فشيئا رحمة بهم ولطفا ” لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ” حين تتكرر عليهم آياته وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها.

يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق: ” الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ” وهم أهل التوراة والإنجيل الذين لم يغيروا ولم يبدلوا ” هُمْ بِهِ ” أي: بهذا القرآن ومن جاء به ” يُؤْمِنُونَ “

“وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ” استمعوا له وأذعنوا و ” قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ” لموافقته ما جاءت به الرسل, ومطابقته لما ذكر في الكتب واشتماله على الأخبار الصادقة, والأوامر والنواهي الموافقة لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم وينفع قولهم, لأنهم لا يقولون ما يقولون, إلا عن علم وبصيرة لأنهم أهل الخبرة, وأهل الكتب. وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة فضلا عن الحجة لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق . قال تعالي: ” قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ” الآيات.
وقوله ” إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ” فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان والإسلام, فصدقنا بهذا القرآن آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر. وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب إيمانه بالكتاب الأول.

” أُولَئِكَ ” الذين آمنوا بالكتابين ” يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ” أجرا على الإيمان الأول, وأجرا على الإيمان الثاني. ” بِمَا صَبَرُوا ” على الإيمان وثبتوا على العمل فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة. ومن خصالهم الفاضلة التي هي من آثار إيمانهم الصحيح, أنهم ” وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ” أي: دأبهم وطريقتهم, الإحسان لكل أحد حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم, وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم.

“وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ ” من جاهل خاطبهم به, أعرضوا عنه و ” قَالُوا ” مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: ” لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ” . أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده ليس عليه من وزر غيره شيء.
ولزم من ذلك أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون, من اللغو والباطل, والكلام الذي لا فائدة فيه. ” سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ” أي لا تسمعون منا إلا الخير, ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم.
فإنكم, وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم, فإننا ننزه أنفسنا عنه, ونصونها عن الخوض فيه.
” لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ” من كل وجه.

يخبر تعالى أنك يا محمد – وغيرك من باب أولى – لا تقدر على هداية أحد, ولو كان من أحب الناس إليك. فإن هذا, أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق, وخلق الإيمان في القلب, وإنما ذلك بيد اللّه تعالى, يهدي من يشاء, وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه, ممن لا يصلح لها, فيبقيه على ضلاله.
وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: ” وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ” فتلك هداية البيان والإرشاد. فالرسول يبين الصراط المستقيم, ويرغب فيه, ويبذل جهده في سلوك الخلق له. وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان, ويوفقهم بالفعل, فحاشا وكلا. ولهذا لو كان قادرا عليها, لهدى من وصل إليه إحسانه, ونصره, ومنعه من قومه, عمه أبا طالب, ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة له للدين والنصح التام, ما هو أعظم مما فعله معه عمه, ولكن الهداية بيد اللّه.

يخبر تعالى أن المكذبين من قريش, وأهل مكة يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم: ” إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ” بالقتل والأسر, ونهب الأموال. فإن الناس قد عادوك وخالفوك فلو تابعناك, لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم, ولم يكن لنا بهم طاقة. وهذا الكلام منهم يدل على سوء الظن باللّه تعالى, وأنه لا ينصر دينه, ولا يعلي كلمته. بل يمكن الناس من أهل دينه, فيسومونهم سوء العذاب, وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق. قال اللّه – مبينا لهم حالة, هم بها دون الناس, وأن اللّه اختصهم بها فقال: ” أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ” . أي: أولم نجعلهم متمكنين, ممكنين في حرم, يكثر المنتابون إليه, ويقصده الزائرون, قد احترمه القريب والبعيد, فلا يهاج أهله, ولا ينتقصون بقليل ولا كثير. والحال أن كل ما حولهم من الأماكن, قد حف بها الخوف من كل جانب, وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين. فَلْيَحْمَدُوا ربهم على هذا الأمن التام, الذي ليس فيه غيرهم, وعلى الرزق الكثير, الذي يجيء إليهم من كل مكان, من الثمرات والأطعمة والبضائع ما به يرتزقون ويتوسعون.
ولْيَتَّبِعُوا هذا الرسول الكريم, ليتم لهم الأمن والرغد.

وإياهم وتكذيبه, والبطر بنعمته فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا وبعد عزهم ذلا, وبعد غناهم فقرا, ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم, فقال: ” وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ” أي: فخرت بها وألهتها واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل فأهلكهم اللّه وأزال عنهم النعمة, وأحل بهم النقمة. ” فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ” لتوالي الهلاك والتلف عليهم, وإيحاشها من بعدهم.
” وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ” للعباد, نميتهم, ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم, ثم نعيدهم إلينا, فنجازيهم بأعمالهم.

ومن حكمته ورحمته, أن لا يعذب الأمم, بمجرد كفرهم, قبل إقامة الحجة عليهم, بإرسال الرسل إليهم, ولهذا قال: ” وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى ” أي بكفرهم وظلمهم ” حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا ” أي: في القرية والمدينة التي إليها يرجعون, ونحوها يترددون, وكل ما حولها ينتجعها, ولا تخفى عليهم أخبارها. ” رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ” الدالة على صحة ما جاء به وصدق ما دعا إليه. فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم. بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة, والأطراف النائية فإن ذلك, مظنة الخفاء والجفاء, والمدن الأمهات, مظنة الظهور والانتشار, وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم. ” وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ” بالكفر والمعاصي مستحقون للعقوبة.
والحاصل أن اللّه لا يعذب أحدا إلا بظلمه وإقامة الحجة عليه.

أسباب نزول قولُهُ تَعَالَى:

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآية [56]:

أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشيرازي قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خمروية قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخزاعي قال: أخبرنا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-«يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعَاوِدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-«وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ-{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الْآيَةَ، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ.

أسباب نزول قولُهُ تَعَالَى:

{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [57]:

نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، لَكِنْ يَمْنَعُنَا مِنِ اتِّبَاعِكَ أن العرب تخطفنا مِنْ أَرْضِنَا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافِنَا وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ

لمسات بيانية

أية:57
(وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57))

أُنظر إلى هذه المعاذير التي تعلل بها المشركون فهم يخشون على أنفسهم من الهلاك. وقد روي عن إبن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن مناف وناساً من قريش جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث: إنا لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن تبعنا الهدى معك وآمنا بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس (أي إن جمعنا يشبعه الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلّة). فهؤلاء اعترفوا في ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى. وقد عبّروا عن شدة خشيتهم من الأسر والأخذ بالقوة بقولهم (نُتَخَطَّفْ) ولم يقولوا نُخطَف لأن التخطف فيه مبالغة في الخطف والأخذ ويدل على الإنتزاع بسرعة. وهذه المبالغة في الخشية من الخطف ناسبها الاستفهام الإنكاري. فقد أعقب قولهم (نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) الاستفهام بقوله (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا) لأن إنكارهم الأمن إقتضى توبيخاً على هذه الحالة التي تلبّسوا بها وهي حالة المُنكِر للأمن الذي كانوا يعيشون به وهو الحَرَم الذي مكّنهم الله داخله

لمسات بيانية

أية:58
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا (58))

إن البَطَر هو التكبّر وفعله لازم لا يتعدّى إلى المفعول به بل يقتصر على الفاعل. فكيف انتصبت كلمة (مَعِيشَتَهَا) بعد الفعل (بَطِرَتْ)؟ إن نصب (مَعِيشَتَهَا) جاء على تضمين الفعل (بَطِرَتْ) معنى كفرت. ألا ترى أن البَطَر وهو التكبر يستلزم أن يُنكر الإنسان الخير الذي يُسدى إليه؟ وإنكار النعمة هو كفر بها ولذلك ضُمِّن الفعل (بطرت) معنى كفرت ومن ثم نصبت كلمة (مَعِيشَتَهَا) على أنها مفعول به.

⭕متشابهات⭕

” الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ” ( القصص 52 , الأنعام 20 , 89 ، البقرة 121 ,146)
↩” وَالَّذِينَ ” (الانعام 114)

 “وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ” ( القصص 54 , الرعد 22 )

” وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَى يَبْعَثَ فِى أمِّهَا رَسُولاً ” ( القصص 59 )

↩”وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأهْلُهَا مُصْلِحُون ” ( هود 117 )

قفات تدبرية

1- {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54)

?اشق شئ على النفس هو الصبر لانك تحبس كل انفعالاتك تنتظر فرج لاتعلم متى يأتي

?صارع الذنب حتى تتركه، فإن عجزت فاغمره بوابل الحسنات

2- {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)}

?هناك كلام لا تصل معه الى نتيجة ولن تكون هنالك فائدة ترجى من  الاستمرار بالنقاش فالاعراض عنه اسلم

?لتعرف عقل المرء وعلمه انظر إلى ردة فعله حال اللغو

3- {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)}

?قدم ما شئت لمن تحب وابذل له ماشئت لكن هنالك أمر لن تستطيع تقدمه له لو انفقت كنوز الدنيا لأنه ليس بيدك !

?الهداية شئ وقر بالقلب وصدقه العمل فالهداية الحقة هي تنظيم البيت الداخلي  للنفس قبل مظهرها الخارجي!

?﴿ ﺇِﻧَّﻚَ ﻟَﺎ ﺗَﻬْﺪِﻱ ﻣَﻦْ ﺃَﺣْﺒَﺒْﺖَ ﴾ ﺍﻧﺼﺢْ ، ﻭَﺟِّﻪ ، ﺍﺩﻉُ ﺛﻢ ﻻ تلتفت وراءك ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ﺣﻴﺚ ﻳﺠﻌﻞ ﻫﺪﺍﻳﺘﻪ

?نفوسنا التي نحبها لا نملك هدايتها .. فاللهم اهدنا

4- {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)}

?دائما المواقف بحاجة الى تضحيات هذا ان كانت صادقة ! اما غيرها فتعرفها من كثرة الاعذار

5- {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)}

?البطر هو فقدان الإحساس بالنعم حولنا هو خراب القدرة على رؤية الأشياء الجميلة التي منحها الله لنا هو كسل العقل والعين عن تغيير زوايا الرؤية لتبدو حياتنا رائعة كما خلقها الله من أجلنا الطفش : اعتراف ببلادة الحس والقدرة على استثمار ثروة النعم الزهق: هو كلمة اخترعناها للشكوى حينما لا نجد ما نشتكي منه

?لاشئ يمحق النعمة كالكبر والتجبر وغرور النفس فإن كنت ذا نعمة فحافظ عليها واحميها من نفسك اولا

6- {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)}

?عجيب هوالظلم كم يزيل النعم ويعجل بالنقم ويحرم الهداية والبركة والأعجب ممن لايزال يمارسه!

?لا عقوبة إلا بعد قيام الحجة وإلا لم يكن لإرسال الرسل معنى

?‏لا يهلك الناس إلا الظلم، الظلم فقط (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)

—————————————–

معاني كلمات سورة القصص من أيه 60←70

*من المحضرين:- ممّن أحضروا للنّار

*أغوينا:- دعَوْناهم إلى الغيّ فاتـّـبعونا

*فعَمِيَتْ عليهم الأنباء:- خَفِيَتْ واشتبَهَتْ عليهم الحجج

*الخيَرَة:- الاختيار

*ما تكنّ صدورهم:- ما تُضمر من الباطل والعداوة

تفسير الايات

حض الله تعالى عباده, على الزهد في الدنيا, وعدم الاغترار بها, وعلى الرغبة في الأخرى, وجعلها مقصود العبد ومطلوبه.
ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق, من الذهب, والفضة, والحيوانات والأمتعة, والنساء, والبنين, والمآكل, والمشارب, واللذات, كلها متاع الحياة الدنيا وزينتها. أي: يتمتع به وقتا قصيرا, متاعا قاصرا, محشوا بالمنغصات, ممزوجا بالغصص.
ويتزين به زمانا يسيرا, للفخر والرياء, ثم يزول ذلك سريعا, وينقضي جميعا, ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم, والخيبة والحرمان. “وَمَا عِنْدَ اللَّهِ ” من النعيم المقيم, والعيش السليم “خَيْرٌ وَأَبْقَى ” أي: أفضل في وصفه وكميته, وهو دائم أبدا, ومستمر سرمدا. “أَفَلَا تَعْقِلُونَ ” أي: أفلا تكون لكم عقول, بها تزنون أي الأمرين أولى بالإيثار, وأي الدارين أحق للعمل لها. فدل ذلك أنه بحسب عقل العبد, يؤثر الأخرى على الدنيا, وأنه ما آثر أحد الدنيا, إلا لنقص في عقله. ولهذا نبه العقول على الموازنة, بين عاقبة مؤثر الدنيا, ومؤثر الآخرة فقال:

” أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ ” أي: هل يستوي مؤمن, ساع للآخرة سعيها قد عمل على وعد ربه له, بالثواب الحسن, الذي هو الجنة, وما فيها من النعيم العظيم, فهو لاقيه, من غير شك, ولا ارتياب لأنه وعد من كريم, صادق الوعد, لا يخلف الميعاد, لعبد قام بمرضاته وجانب سخطه. ” كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ” فهو يأخذ فيها, ويعطي ويأكل ويشرب, ويتمتع كما تتمتع البهائم.
قد اشتغل بدنياه عن آخرته, ولم يرفع بهدى الله رأسا, ولم ينقد للمرسلين. فهو لا يزال كذلك, لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك.” ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ” للحساب وقد علم أنه لم يقدم خيرا لنفسه, وإنما قدم جميع ما يضره, وانتقل إلى دار الأعمال. فما ظنكم بما يصير إليه؟ وما تحسبون ما يصنع به؟. فليختر العاقل لنفسه, ما هو أولى بالاختيار, وأحق الأمرين بالإيثار.

هذا إخبار من اللّه تعالى, عما يسأل عنه الخلائق يوم القيامة, وأنه يسألهم عن أصول الأشياء, عن عبادة اللّه, وإجابة رسله فقال: ” وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ” أي: ينادي من أشركوا به شركاء, يعبدونهم, ويرجون نفعهم, ودفع الضرر عنهم, فيناديهم, ليبين لهم عجزها, وضلالهم. ” فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ” , وليس للّه شريك, ولكن ذلك بحسب زعمهم وافترائهم. ولهذا قال: ” الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ” فأين هم, بذواتهم, وأين نفعهم وأين دفعهم؟ ومن المعلوم أنهم يتبين لهم في تلك الحال أن الذي عبدوه, ورجوه باطل مضمحل في ذاته وما رجوا منه فيقولون أي: يحكمون على أنفسهم بالضلالة والغواية.

ولهذا ” قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ” من الرؤساء والقادة, في الكفر والشر مقرين بغوايتهم وإغوائهم: ” رَبَّنَا هَؤُلَاءِ ” التابعون ” الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ” . أي: كلنا قد اشترك في الغواية, وحق عليه كلمة العذاب. ” تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ” من عبادتهم, أي: نحن برآء منهم, ومن عملهم. “مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ” وإنما كانوا يعبدون الشياطين.

” وَقِيلَ ” لهم: ” ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ” على ما أملتم فيهم, من النفع. فأمروا بدعائهم في ذلك الوقت الحرج, الذي يضطر فيه العابد إلى من عبده.
” فَدَعَوْهُمْ ” لينفعوهم أو يدفعوا عنهم من عذاب اللّه من شيء.
” فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ” فعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين مستحقين للعقوبة. ” وَرَأَوُا الْعَذَابَ ” الذي سيحل بهم عيانا, بأبصارهم بعد ما كانوا مكذبين به, منكرين له. ” لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ” أي: لما حصل عليهم ما حصل, ولهدوا إلى صراط الجنة, كما اهتدوا في الدنيا, ولكن لم يهتدوا, فلم يهتدوا.

“وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ”  هل صدقتموهم واتبعتموهم أم كذبتموهم وخالفتموهم؟

” فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ” أي: لم يحيروا عن هذا السؤال جوابا ولم يهتدوا إلى الصواب.
ومن المعلوم أنه لا ينجى في هذا الموضع إلا التصريح بالجواب الصحيح المطابق لأحوالهم من أننا أجبناهم بالإيمان والانقياد. ولكن لما علموا تكذيبهم لهم وعنادهم لأمرهم لم ينطقوا بشيء.
ولا يمكن أن يتساءلوا ويتراجعوا بينهم; فبماذا يجيبون به ولو كان كذبا.

لما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم; وعن رسلهم; ذكر الطريق, الذي ينجو به العبد, من عقاب اللّه تعالى, وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة عن الشرك والمعاصي, وآمن باللّه فعبده, وآمن برسله, فصدقهم, وعمل صالحا; متبعا فيه للرسل.
” فَعَسَى أَنْ يَكُونَ ” من جمع هذه الخصال ” مِنَ الْمُفْلِحِينَ ” الناجحين بالمطلوب; الناجين من المرهوب. فلا سبيل إلى الفلاح بدون هذه الأمور.

هذه الآيات(68، 69، 70)  فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات ونفوذ مشيئته بجميع البريات وانفراده باختيار من يختاره ويختصه من الأشخاص والأوامر والأزمان والأماكن. وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء. وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به. من الشريك والظهير والعوين والولد والصاحبة ونحو ذلك مما أشرك به المشركون. وأنه العالم بما أكنته الصدور, وما أعلنوه. وأنه وحده, المعبود المحمود في الدنيا والآخرة على ماله من صفات الجلال والجمال وعلى ما أسداه إلى خلقه من الإحسان والإفضال. وأنه هو الحاكم في الدارين: في الدنيا بالحكم القدري الذي أثره جميع ما خلق وذرأ, والحكم الديني, الذي أثره جميع الشرائع والأوامر والنواهي. وفي الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي, ولهذا قال: ” وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ” فيجازي كلا منكم بعمله, من خير وشر.

أسباب نزول قوله تعالى

⚡{أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ} [61]:

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سليمان قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ الإيلي قال: أخبرنا بَدَلُ بْنُ المحبر قال: أخبرنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي عَمَّارٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي جَهْلٍ.

اسباب نزول قوله تعالى

⚡{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [68]

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حِينَ قَالَ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ الرُّسُلَ بِاخْتِيَارِهِمْ.

لمسات بيانية

أية

(وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60))

تأمل في هذا الاستفهام (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ألم يكن أولئك المخاطبون بهذا القول عاقلين حتى يُسألوا عن عودتهم إلى رُشدهم وعقلهم؟ إن جهل الإنسان لنعيم الآخرة الأبدي وتفضيل النعيم الدنيوي الزائل على الأخروي الدائم دليل على الجهالة وخفة العقل. ولما كان المشركون قد تعجلوا النعيم الدنيوي وآثروه وفضّلوه على الأخروي فإنهم بذلك قد نزلوا إلى درجة من فقد عقله ولذلك قال لهم (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

لمسات بيانية

أية
(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (62))

أُنظر إلى هذا الموقف الرهيب، موقف الظالمين وهم يمثلون أمام الله عز وجل فيسألهم ذلك السؤال المحيّر المُخزي (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ). وهنا تعرض صورتهم فهاهم المتبوعون يتنصلون من التابعين ويتبرؤون إلى الله من تبعة إغواء الغاوين (رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)) وهذه الإجابة لغو منهم وليست إجابة عما سُئلوا عنه. ولذلك يعيدهم إلى جو السؤال المُحرج بأسلوب أشد وأخزى (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ (64)).

لمسات بيانية

أية65
(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65))

أُنظر إلى هذا السؤال كم يحمل في ثناياه من التهويل والترويع للمسؤولين. فالسائل سبحانه وتعالى يعلم ماذا أجابوا ولكنهم مذهولون (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ (66)) وندّت عنهم الإجابات ووقفوا صامتين ذاهلين لا ينبسون ببنت شفة. فلتحرص على أن تكون إجابتك يوم السؤال عن موقفك من دعوة نبيك إجابة تعتزّ بها لتكون من الناجين.

انفرادات سورة القصص
{موضع وحيد}

⚡{فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)} ليس غيره

 ⭕متشابهات⭕

” وَمَا أُوتِيتُم مِن شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ” ( القصص 60 )
↩ ” فَمَا أوتِيتُم.. ” ( الشورى 36 )

” وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون ” ( القصص 62 , 74 )

↩” وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ” ( الكهف 52 )

↩” وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أيْنَ شُرَكَآءِى ” ( فصلت 47 )

” وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ ” ( القصص 62 , 65 , 74 )

” فَأمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ” ( القصص 67 )

↩” إلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا ” ( الفرقان 70 )

↩” إلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ” ( مريم 60 )

” وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون ” ( القصص 69 )
↩”وَإنَّ رَبُّكَ لَيَعْلَمُ مَا ” (النمل 74 )

“وَلَهُ الْحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُون ” ( القصص 70)
↩”لَهُ الْحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُون ” (القصص88 )

وقفات تدبرية

1-{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60)}

?حري بنا ان نقف هنا طويلا فكل امر بالدنيا وان سرنا واعجبنا فمصيره كمصير الدنيا

?كل لذائذ الدنيا وجمالها إنماهو متاع زائل  فالتمس نعيما لايحول ولايزول

2- {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)}

?كل شخص يؤثر رضا ربه ويبحث عنه من خلال عمله وسلوكه ونيته فهو موعود من الله بما تقر به عينه

3- {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ (65)}

?من عرف الحق فليلزمه ولو كان وحده، فيوم القيامة يُسأل عن الحق لا عن الناس الذين كانوا معه

?” هيّئ جواباً عندما تسمع النـداء من الله يوم العرض .. ماذا أجبتم ؟ – ابن القيم

4- {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ (67)}

?فلاح العبد لا يحصل عليه بالتمني فلا بد من عمل صادق صالح باعثه نية  صادقة

5- {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)}

?توكل على الله ﻻ على تدينك فإن ولد نوح لم يؤمن بدين أبيه وﻻ على قوة هيمنتك فإن امرأة فرعون متدينة

?كم يعزم اﻹنسان على أمور ويبرمها فيتقنها ثم يرسم لها مقدمات جازما بنتائجها فيخذ ؛لأن الله قد قال(وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة)

?يخلق من خلقه كثير ويختار لدينه وحمل رسالته خيار خلقه اللهم اجعلنا من خيار خلقك

?لو سلمنا بهذه الآية فكم سترتاح نفوسنا فما شاء الله كان وما لم يشأ فلن ولن يكون

?أنت تريد .. وأنا أريد .. والله يفعل ما يريد . { وربك يخلق ما يشاء ” ويختار ”

?ثق تماما بأن جميع مايصنع الله بك خيرلك وقدتكون الخيرة خفية ﻻ تعلمها الآن

6- {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69)}

?بمقدورنا تزيين أنفسنا أمام العالم كله لكن ..كم نحن مكشوفين تماما أمام الله ! أفلا نخجل منه؟

?اﻹنسان الصادق ، الذي سره كالعلانية هو أوﻻ يعامل الله قبل الناس ﻷنه وحده كاشف الخفاية

————————————————–

معانى كلمات سورة القصص من أية 71← 77

*أرأيتم:- أخبروني

*سرمدا:- دائما مُطّردا

*يفترون:- يختلقونه من الباطل في الدّنيا

*فبغى عليهم:- ظَلَمَهُم . أو تكبّرَ عليهم

*لَتنوءُ بالعُصبة:- لتـُـثـقل الجماعة الكثيرة وتميل بهم

*لا تفرحْ:- لا تبْطَرْ ولا تأشَرْ بكُثرَةِ المال

تفسير الايات

امتن من اللّه على عباده, بما يدعوهم به إلى شكره, والقيام بعبوديته وحقه, أن جعل لهم من رحمته النهار ليبتغوا من فضل اللّه وينتشروا لطلب أرزاقهم ومعايشهم في ضيائه, والليل ليهدأوا فيه ويسكنوا وتستريح أبدانهم وأنفسهم, من تعب التصرف في النهار قهذا من فضله ورحمته بعباده. فهل أحد يقدر على شيء من ذلك؟ و ” إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ” مواعظ اللّه وآياته سماع فهم وقبول, وانقياد.
و ” إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ” مواقع العبر ومواضع الآيات فتستنير في بصائركم, وتسلكوا الطريق المستقيم. وقال في الليل ” أَفَلَا تَسْمَعُونَ ” وفي النهار ” أَفَلَا تُبْصِرُونَ ” . لأن سلطان السمع في الليل أبلغ من سلطان البصر وعكسه النهار. وفي هذه الآيات تنبيه إلى أن العبد ينبغي له أن يتدبر نعم اللّه عليه ويستبصر فيها ويقيسها بحال عدمها.
فإنه إذا وازن بين حالة وجودها وبين حالة عدمها; تنبه عقله لموضع المنة. بخلاف من جرى مع العوائد ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرا ولا يزال. وعمى قلبه عن الثناء على اللّه, بنعمه, ورؤية افتقاره إليها في كل وقت. فإن هذا, لا يحدث له فكرة شكر, ولا ذكر.

ويوم ينادي اللّه المشركين به, العادلين به غيره, الذين يزعمون أن له شركاء يستحقون أن يعبدوا وينفعون ويضرون.
فإذا كان يوم القيامة وأراد اللّه أن يظهر جراءتهم وكذبهم في زعمهم وتكذيبهم لأنفسهم ” يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ” أي: بزعهم, لا بنفس الأمر كما قال: ” وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ “

فإذا حضروا, هم وإياهم, نزع اللّه ” مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ” من الأمم المكذبة ” شَهِيدًا ” يشهد على ما جرى في الدنيا, من شركهم واعتقادهم وهؤلاء بمنزلة المنتخبين. أي: انتخبنا من رؤساء المكذبين من يتصدى للخصومة عنهم, والمجادلة عن إخوانهم وهم على طريق واحد.
فإذا برزوا للمحاكمة ” فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ” أي: حجتكم ودليلكم, على صحة شرككم.
هل أمرناكم بذلك؟ هل أمرتكم رسلي؟ هل وجدتم ذلك في شيء من كتبي؟ هل فيهم أحد يستحق شيئا من الإلهية؟ هل ينفعوكم, أو يدفعون عنكم من عذاب اللّه أو يغنون عنكم؟ فليفعلوا إذا كان فيهم أهلية وليروكم إن كان لهم قدرة.
” فَعَلِمُوا ” حينئذ, بطلان قولهم وفساده, و ” أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ” تعالى: قد توجهت عليهم الخصومة وانقطعت حجتهم وأفلحت حجة اللّه. “وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ” من الكذب والإفك واضمحل وتلاشى وعدم. وعلموا أن اللّه قد عدل فيهم حيث لم يضع العقوبة, إلا بمن استحقها, واستأهلها

يخبر تعالى, عن حالة قارون, وما فعل, وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ, فقال: ” إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ” أي: من بني إسرائيل, الذين فُضِّلوا على العالمين وفاقوهم في زمانهم, وامتن اللّه عليهم بما امتن به فكانت حالهم مناسبة للاستقامة. ولكن قارون هذا, انحرف عن سبيل قومه ” فَبَغَى عَلَيْهِمْ ” وطغى, بما أوتيه من الأمور العظيمة المطغية.
” وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ” أي: كنوز الأموال شيئا كثيرا ” مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ” والعصبة, من العشرة إلى التسعة إلى السبعة, ونحو ذلك. أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله, تثقل الجماعة القوية عن حملها, هذه المفاتيح, فما ظنك بالخزائن؟ ” إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ” ناصحين له محذرين له عن الطغيان: ” لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ” أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة, وتفتخر بها, وتلهيك عن الآخرة, فإن اللّه لا يحب الفرحين بها, المنكبين على محبتها.

” وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ” أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة, ما ليس عند غيرك من الأموال, فابتغ بها, ما عند اللّه, وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات, وتحصيل اللذات. ” وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ” أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك, وتبقى ضائعا, بل أنفق لآخرتك واستمتع بدنياك, استمتاعا لا يثلم دينك ولا يضر بآخرتك. ” وَأَحْسَنُ ” إلى عباد اللّه ” كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ” بهذه الأموال. ” وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ” بالتكبر, والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم.
” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ” بل يعاقبهم على ذلك أشد العقوبة

لمسات بيانية

أية 71
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72))
ألم يسترع إنتباهك وصف الليل بـ (تَسْكُنُونَ فِيهِ) بينما أطلق ربنا نعمة الضياء دون قيد أو وصف فقال (يَأْتِيكُم بِضِيَاء (71)) فلِمَ هذا الإطلاق للضياء والتقييد لليل؟ وصف البيان الإلهي الليل بـ (تَسْكُنُونَ فِيه) للإشارة إلى أعظن نعمة يجنيها الإنسان من الليل إذا أرخى سدوله، وهي لذة الراحة ولذة الخلاص من التعب والحرّ يعد أن يلملم النهار ذيوله فيُسلِم الإنسان جسده إلى فراشه ليستعيد نشاطه العصبي. وأما الضياء فلم يقيّد بصفة محدودة لكثرة منافعه التي لا يعلم عددها ولا أنواعها المختلفة إلا الله سبحانه وتعالى.

لمسات بيانية

أية 76
(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ (76)) لِمَ نسب الله تعالى قارون إلى موسى عليه السلام فقال (كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) ولم يقل “كان من بني إسرائيل”؟

عدَل البيان الإلهي عن القول “كان من بني إسرائيل” إلى قوله (كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) إيماءً إلى أن لقارون إتصالاً خاصاً بموسى. فقد قال ابن عباس عن قارون: إنه ابن عم موسى عليه السلام. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن إضافة قارون إلى موسى فيه إشارة إلى أنه كان من قومه ثم انقلب فصار عدواً له ولأتباعه. فأمره أغرب من أمر فرعون.
⭕متشابهات⭕

⚡” قُلْ أرَءَيْتُمْ إن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ ” ( القصص 71 , 72 )

⚡” مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأتِيكُم ” ( القصص 71 , 72 , الأنعام 46 )

⚡” وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَكُمْ تَشْكُرُون ” ( الجاثية 12 , النحل 14 , الروم 46 , القصص 73) ↩” لِتَبْتَغُوا ” (فاطر 12 )

⚡” فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ ” ( القصص 75 )
↩” قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ ” ( النمل 64 , الأنبياء 24 , البقرة 111 )

⚡” وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُون ” ( القصص 75 , النحل 87 , هود 21 , الأعراف 53 , الأنعام 24 , يونس 30 )

وقفات تدبرية

1- {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)}

?[ولعلكم تشكرون ] رسالة غير مباشرة تبعثها لنا الآية انه برغم من ان نعم الله التي تحوطنا من كل جانب لكن ما أقل شكرنا وهذه حقيقة

2- { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)}

?المال مظنة فساد الغني وإفساده آخرين من قومه وتسلطه عليهم إﻻ من رحم الله قال الله(إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم) وقارون هو ابن عم موسى عليه السلام

?لايتجبر إلا كل صاحب سلطة ونفوذ ظن ان لا قوة تقدر عليه ونسي قوة من اوجد نفسه بين جنبيه

3- {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)}

?تأمل: قدم الله عمل الآخرة على الدنيا قال في الآخرة (وابتغ) وفي الدنيا (ولا تنس)

?كل شيء في الحياة بحاجة إلى ( خطة ) فالمؤمن له خطتان : للدنيا واحدة وللآخرة أخرى

?﴿ولا تنسَ نصيبك من الدنيا﴾ قال قتادة: نصيب الدنيا هو الحلال كُله

?ابذل للأخرين وادعُ لهم بالخفاء ، يأتيك الخير وتنال من ربك العطاء

?{وأحسن كما أحسن الله إليك} هذه قاعدة شكر النعم المادية والمعنوية

?إن أردت ان تدوم نعم الله عليك .. فالأمر بسيط .. أنعم على غيرك كما أنعم الله عليك!

?”وأحسن (كما)أحسن الله إليك”  جميل أن يكون  إحسانك بعد إحسان الله إليك من جنس إحسانه فإن كان رزقا فتصدق  وإن كانت فرحة فأدخل على غيرك فرحا.

—————————–

معاني كلمات سورة القصص من أية 78← 84

*مِنَ القرون:- من الأمم

*لا يُسأل:- سؤال استعلام بل سؤال توبيخ

*في زينته:- في مظاهر غِناه وتـَـرفِه

*ويلكم:- زجْرٌ لهم عن هذا التـّـمنّي

*لا يلقّاها:- لا يُوفّـق للعمل للمَثوبة

*ويْكأنّ الله:- ألـَـمْ تـَـرَ الله

*يَقـْـدِر:- يُضيّق على من يشاء لحكمة

*ويكَأنّه لا يفلح:- ألـَـم ترَ الشأن لا يُفلح

تفسير الايات

“قَالَ” قارون – رادا لنصيحتهم, كافرا بنعمة ربه -: ” إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ” أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب وحذقي. أو على علم من اللّه بحالي, يعلم أني أهل لذلك, فلم تنصحوني على ما أعطاني اللّه؟ قال تعالى – مبينا أن عطاءه ليس دليلا على حسن حالة المعطي. ” أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ” فما المانع من إهلاك قرون أخرى, مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله. وأعظم منه إذا فعل ما يوجب الهلاك؟.
“وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ” بل يعاقبهم اللّه ويعذبهم على ما يعلمه منهم. فهم وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة, وشهدوا لها بالنجاة, فليس قولهم مقبولا, وليس ذلك رادا عنهم من العذاب شيئا, لأن ذنوبهم غير خفية فإنكارهم لا محل له. فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه وعدم قبول نصيحة قومه, فرحا بطرا قد أعجبته نفسه, وغره ما أوتيه من الأموال.

“فَخَرَجَ ” ذات يوم ” عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ” أي بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه, قد كان له من الأموال ما كان وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه.
وتلك الزينة في العادة من مثله, تكون هائلة جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها. فرمقته في تلك الحالة العيون, وملأت بِزَّتُهُ القلوب, واختلبت زينته النفوس. فانقسم فيه الناظرون قسمين كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة. ” قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ” أي: الذين تعلقت إرادتهم فيها, وصارت منتهى رغبتهم, ليس لهم إرادة في سواها. ” يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ” من الدنيا ومتاعها وزهرتها ” إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ” وصدقوا إنه لذو حظ عظيم, لو كان الأمر منتهيا إلى رغباتهم, وأنه ليس وراء الدنيا, دار أخرى, فإنه قد أعطي منها, ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا, واقتدر بذلك على جميع مطالبه, فصار هذا الحظ العظيم, بحسب همتهم, وإن همة جعلت هذا غاية مرادها, ومنتهى مطلبها لَمِنْ أدنى الهمم, وأسفلها, وأدناها وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية.

” وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ” الذين عرفوا حقائق الأشياء, ونظروا إلى باطن الدنيا, حين نظر أولئك إلى ظاهرها: ” وَيْلَكُمْ ” متوجعين مما تمنوا لأنفسهم, راثين لحالهم, منكرين لمقالهم.
” ثَوَابُ اللَّهِ ” العاجل, من لذة العبادة ومحبته, والإنابة إليه, والإقبال عليه. والآجل من الجنة, وما فيها مما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين ” خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ” من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه, فهذه حقيقة الأمر. ولكن ما كل من يعلم ذلك يقبل عليه, فما يُلَقَّى ذلك ويوفق له ” إِلَّا الصَّابِرُونَ ” الذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه, وعن معصيته, وعلى أقداره المؤلمة, وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها, أن تشغلهم عن ربهم, وأن تحول بينهم, وبين ما خلقوا له. فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية

فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر, وازَّيَّنَتْت الدنيا عنده, وكثر بها إعجابه, بغته العذاب ” فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ” جزاء من جنس عمله.
فكما رفع نفسه على عباد اللّه, أنزله اللّه أسفل سافلين, هو وما اغتر به, من داره, و أثاثه, ومتاعه. ” فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ ” أي: جماعة, وعصبة, وخدم, وجنود ” يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ” أي: جاءه العذاب فما نصر ولا انتصر.

” وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ ” أي: الذين يريدون الحياة الدنيا, الذين قالوا: ” يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ” .
” يَقُولُونَ ” متوجعين ومعتبرين, وخائفين من وقوع العذاب بهم: ” وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ” أي: يضيق الرزق على من يشاء, فعلمنا حينئذ, أن بسطه لقارون, ليس دليلا على خير فيه, وأننا غالطون في قولنا: ” إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ” . و ” لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ” فلم يعاقبنا على ما قلنا, فلولا فضله ومنته ” لَخَسَفَ بِنَا ” . فصار هلاك قارون, عقوبة له, وعبرة وموعظة لغيره, حتى إن الذين غبطوه, سمعت كيف ندموا, وتغير فكرهم الأول.
” وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ” أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة.

لما ذكر تعالى, قارون وما أوتيه من الدنيا, وما صار إليه عاقبة أمره, وأن أهل العلم قالوا: ” ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ” رغب تعالى في الدار الآخرة, وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: ” تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ” التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت بها رسله, التي جمعت كل نعيم, واندفع عنها كل مقدر ومنغص ” نَجْعَلُهَا ” دارا وقرارا ” لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ” أي: ليس لهم إرادة فكيف العمل للعلو في الأرض, على عباد اللّه, والتكبر عليهم وعلى الحق ” وَلَا فَسَادًا ” وهذا شامل لجميع المعاصي.
فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض, ولا الفساد, لزم من ذلك, أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه, وقصدهم الدار الآخرة, وحالهم, التواضع لعباد اللّه, والانقياد للحق والعمل الصالح.
وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحسنى, ولهذا قال: ” وَالْعَاقِبَةُ ” أي حالة الفلاح والنجاح, التي تستقر وتستمر, لمن اتقى اللّه تعالى.
وغيرهم – وإن حصل لها بعض الظهور والراحة – فإنه لا يطول وقته, ويزول عن قريب.
وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة, أن الذين يريدون العلو في الأرض, أو الفساد, ليس لهم في الدار الآخرة, نصيب, ولا لهم منها, حظ.

يخبر تعالى عن مضاعفة فضله, وتمام عدله فقال: ” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ” شرط فيها أن يأتي بها العامل, لأنه قد يعملها, ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه, أو يبطلها فهذا لم يجئ بالحسنة. والحسنة, اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله, من الأقوال, والأعمال الظاهرة, والباطنة, المتعلقة بحقه تعالى, وحقوق العباد ” فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ” أي: أعظم وأجل, وفي الآية الأخرى ” فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ” . هذا التضعيف للحسنة, لا بد منه, وقد يقترن بذلك من الأسباب, ما تزيد به المضاعفة كما قال تعالى: ” وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” بحسب حال العامل وعمله, ونفعه, ومحله, ومكانه.
” وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ” وهي كل ما نهى الشارع عنه, نَهْيَ تحريم. ” فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” كقوله تعالى ” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

لمسات بيانية

أية 79
(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ (79)) تقول خرجت إلى ضيوفي وخرجت إلى المسجد، فتُعدّي الفعل خرجت بحرف الجر (إلى). ولكن القرآن جعل خروج قارون إلى قومه متعدياً بحرف الجر (على) (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِه). فما المعنى الذي أفاده حرف الجر (على)؟

عد الفعل (خرج) بحرف الجر (على) ليصور لك هيئة خروج قارون. فقد خرج على هيئة متكبِّرِ متعالٍ. وهذا المعنى أفاده حرف الجر (على) الذي يدل على الاستعلاء.

لمسات بيانية

أية80
(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا (80))

انظر إلى هذا المنطق الحكيم الذي خاطب به الذين أوتوا العلم أولئك الذيت تطلعت قلوبهم إلى مال قارون. فقد ذكروا لهم الثواب الأعظم وقدموا لهم الأجر على الطلب. فلم يقولوا لهم “ويلكم من آمن وعمل صالحاً فإن له ثواباً عظيماً” بل قدّموا الثواب فقالوا (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) وهذا التقديم للأجر غايته تمكين هذا الأمر في ذهن السامعين. فهذا الثواب مطمع للنفس تستشرف إليه وتتشوق لمرآه.

لمسات بيانية

أية83
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83))
قرأ الفُضيل بن عياض هذه الآية ثم قال “ذهبت الأماني هاهنا” أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب كما قال أحد المُرجئة:

كُن مسلماً ومن الذنوب لا تخف

حاشا المهيمن أن يري تنكيدا

لو شاء أن يصليك نار جهنم

ما كان ألهم قلبك التوحيدا

فلا تطمع برحمة الله وتنسى عقابه. فكما أن الله رحيم بعباده رؤوف فهو أيضاً منتقم شديد العقاب.

لمسات بيانية

أية84
(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84))

إذا أمعنت النظر بين شطري الصورتين: صورة مكتسب الحسنة وصورة مقترف السيئة لرأيت أن البيان القرآني إختار فعل (عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) بعد قوله (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ) لما في هذا التعبير (عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) من التنبيه على أن عملهم هو عِلّة جزائهم ولما في هذا التعبير من استهجان لهذا العمل الذميم. ولما فيه من تبغيض السيئة إلى قلوب السامعين من المؤمنين

⭕متشابهات⭕

⚡” قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم ” ( الزمر 49 , القصص 78 )

⚡” فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ ” ( القصص 79 , مريم 11 )

⚡” وَقَالَ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ ” ( الروم 56 , القصص 80 )
↩” قَالَ الَّذِينَ ” (النحل 27 )

⚡” فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُنَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِين ” ( القصص 81 )

↩” وَلَمْ تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ” ( الكهف 43 )

⚡” يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ” ( القصص 82 )

↩” يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَه ” ( سبأ 39 , العنكبوت 62 )

↩” يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ” ( الزمر52 , الشورى 12 , الرعد 26 , الروم 37 , الإسراء 30 , سبأ 36 )

⚡” مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ” ( القصص 84 , النمل 89 )
↩” مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا ” ( الأنعام 160 )

⚡” وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُون ” ( القصص 84 )

↩” وَمن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون ” ( النمل 90 )

↩” وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون ” ( الأنعام 160 )

وقفات تدبرية

1- {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ (78)}

?الاغترار بالنفس يؤدي للمهالك

?أربع كلمات مهلكات: أنا – لي – عندي – نحن ” أنا خير منه” ” أليس لي ملك مصر” ” قال إنما أوتيته على علم عندي” ” نحن أولوا قوة”

2- {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)}

?أهل الدنيا يخرجون بزينتهم لإبهار الضعفاء  ،، العزة بالقرآن ألا نلتفت إليهم

?(ياليت لنا مثل ما أوتي قارون) سبب هذه اﻷمنية : (عين أصابها عمى عن نعمتها) وبصر حاد فيما عند غيرها

?إذا نقص في القلب (إرادة) الآخرة امتلأ (بإرادة) الدنيا

?قارون (خرج على قومه في زينته) والذين آمنوا قالوا (ثواب الله خير) لأن قارون زينته خارجية (في مظهره) ، والمؤمنون زينتهم داخلية (في قلوبهم) فكل من تسبب في فتنة غيره وزعزعة إيمانه فهو من ورثة (قارون)

?إياك أن تفخر على الناس بما آتاك الله وتنسب الفضل لنفسك فيه

3- {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80)}

?(وقال الذين أوتوا العلم) (ويرى الذين أوتوا العلم) (وليعلم الذين أوتوا العلم) لأهل العلم مكانة خاصة عند الله ، يجب أن يكونوا عندنا كذلك

?إلى كل من كثر علمه وقل عمله : قال أعظم القائلين جل وعز : { وقال الذين أُوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} افرح بثواب الله فرح قارون بماله

?[ ولا يلقاها إلا الصابرون ] كأن الصابرون من طينة مختلفة عن باقي البشر ! فكل حلة تزين الانسان وتسمو به وترفعه ..تزينوا بها

5-  ﴿ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولايلقاها إلا الصابرون﴾ ثق تماما لن تتلذذ بإيمانك وعملك الصالح ما لم تزين حياتك بـ الصبر

4- {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)}

1-  (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ) يقولها المؤمن الذي عرف مقدار (عمله) وعظمة (ربه)

5- {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}

?يملك عقلا راجحا من ملك زمام نفسه ولم يلتفت للفانية ووضع نصب عينيه الباقية

?بقدر تواضعك..يكون نصيبك في الآخرة

?التفوق والتميز والجماهيرية والشعبية تعبيرات عصرية عن العلو في الأرض “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ “

?قال ابن تيمية :لأن الناس من جنس واحد فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم

?لا تجعل العوائق تقف في طريقك … ولا تجهل أن التوفيق في الدارين حليف من اتقى الله

6- {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)}

?المعاملة مع الله :قدم معروف واحد يأتيك عشر امثاله – المعاملة مع البشر :معروفك ان لم ينسى يجحد !

————————————————–

معاني الكلمات من ايه 85 ← 88

معادٍ:- مكّة المكرّمة ظاهرا عليها

*ظهيرا للكافرين:- مُعينا لهم على ما هم عليه

تفسير الايات

يقول تعالى ” إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ” أي: نزله, وفرض فيه الأحكام وبين فيه الحلال والحرام وأمرك بتبليغه للعالمين والدعوة لأحكامه جميع المكلفين. لا يليق بحكمته, أن تكون هي الحياة الدنيا فقط, من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا. بل لا بد أن يردك إلى معاد يجازي فيه المحسنون بإحسانهم والمسيئون بمعصيتهم. وقد بينت لهم الهدى وأوضحت لهم المنهج. فإن تبعوك فذلك حظهم وسعادتهم. وإن أبوا إلا عصيانك والقدح بما جئت به من الهدى وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق فلم يبق للمجادلة محل ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة والحق والمبطل.
ولهذا قال: ” قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ” وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي, وأن أعداءه هم الضالون المضلون.

” وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ ” أي: لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك ولا مستعدا له ولا متصديا. ” إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ” وبالعباد فأرسلك بهذا الكتاب الذي رحم به العالمين وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه علمت أن جميع ما أمر به ونهى عنه رحمة وفضل من اللّه. فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع. ” فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ” أي: معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم. ومن جملة مظاهرتهم أن يقال في شيء منه, إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة.

” وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ” بل أبلغها وأنفذها ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها ولا تتبع أهواءهم.
” وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ” أي اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك.
فكل ما خالف ذلك فارفضه من رياء, أو سمعة أو موافقة أغراض أهل الباطل فإن ذلك داع إلى الكون معهم ومساعدتهم على أمرهم ولهذا قال: ” وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ” لا في شركهم ولا في فروعه وشعبه التي هي حميع المعاصي.

” وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ” بل أخلص للّه عبادتك, فإنه ” لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ” فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ويعبد إلا اللّه الكامل الباقي الذي ” كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ” وإذا كان كل شيء سواه هالكا مضمحلا فعبادة الهالك الباطل باطلة, ببطلان غايتها وفساد نهايتها. “لَهُ الْحُكْمُ ” في الدنيا والآخرة ” وَإِلَيْهِ ” لا إلى غيره ” تُرْجَعُونَ ” .
فإذا كان ما سوى اللّه باطلا هالكا واللّه هو الباقي الذي لا إله إلا هو وله الحكم في الدنيا والآخرة وإليه مرجع الخلائق كلهم ليجازيهم بأعمالهم تعَّين على من له عقل أن يعبد اللّه وحده لا شريك له ويعمل لما يقربه ويدنيه ويحذر من سخطه وعقابه وأن يقدم على ربه غير تائب ولا مقلع عن خطإه وذنوبه.

لمسات بيانية

85
(قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (85)) تأمل هذا السياق المعجز والتعبير البديع. فقد عبّر الله عن المختدين بالجملة الفعلية فقال (مَن جَاء بِالْهُدَى) ولم يقل “قل ربي أعلم بالمهتدين”. بينما عبّر عن الضالّين بالجملة الإسمية فقال (وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). فهل من خلاف معنوي بين الأسلوبين أم هو خلاف في أسلوب التعبير للتنويع وحسب؟

عبّر القرآن عن جانب المهتدي بفعل (مَن جَاء) للإشارة إلى أن المهتدي هو الذي جاء بهديٍ لم يكن معروفاً من قبل ولذلك قال (مَن جَاء بِالْهُدَى) ولم يقل “من اهتدى”. وعبّر عن جانب الضالين بالجملة الإسمية للإشارة إلى ثبات ضلال المشركين وإظهار قِدَم ضلالهم ورسوخه في أفئدتهم. وإمعاناً في إظهار شدة ضلالهم قال (وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ولم يقل “من هو من الضالين” لأن حرف الجر (في) يفيد إنغماسهم في الضلال وإحاطته بهم من كل جانب

⭕متشابهات⭕

⚡” وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا ءَاخَرَ ” ( القصص 88)
↩ ” فَلا ”  (الشعراء 213 )

وقفات تدبرية

1- {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)}

?[ إن الذي فرض عليك القرآن ] لم يقل ان الذي فرض عليك الزكاة او الصيام او الصلاة بل بدأ بالقرآن إذن هو عظيم ! .. فلنعظمه في نفوسنا

2- {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ (86)}

?ربك يعطيك شيئا لم تكن تحلم به، ولا تتوقعه إنه يعطيك فوق فوق ما كنت تتصور بكثير

?[ إلا رحمة من ربك ] لو دققنا جيدا وأمعنا النظر لوجدنا ان لطف الله يتدخل في كل تفاصيل حياتنا لكن لا ننتبه وان انتبهنا فقل ما نشكر

?{فلا تكونن ظهيرا للكافرين} كل المواقف قد تأول على محمل حسن إلا موقف المسلم من ان يكون مؤيدا لكافر..!

3- {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (87)}

?ما دمت آخذا بالكتاب والسنة فلا تستسلم لقوة الصادين عنهما وكثرتهم ،فإن الله وهبك هداية قد حرمهم منها(ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك)

?[ وادعُ الى ربك ] هي المهنة الوحيدة التي لن تخسر او تندم ان انفقت عمرك وصحتك ومالك بها هي التجارة لمن يبحث عن الربح الحقيقي

4- {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)}

 ?[ولا تدع مع الله إلها آخر ] ليس عبادة الأصنام فقط هو الشرك بل في دواخلنا وافعالنا قد تكون هنالك عبودية خفية قل ما نسلم منها

?[ كل شيء هالك إلا وجهه ] ربما هذه الأية تريحنا كثيرا.. لقد تعبت نفوسنا كثيرا من الحياة وما فيها والجميل انها كلها ستنتهي يوم ما

?كل الأشياء التي نتشبث بها أو تحيط بنا  نفرح بها أو نحزن نتألم من أجلها أو نسعد  ستفنى ستضمحل. الله وحده من يبقى

 تمت بحمد الله سورة القصص

Comments are closed.